ساعدنیوز: قد یظل تعلیق قاسٍ فی أذهاننا وقتاً أطول بکثیر من کلمات المدیح، ویرتبط ذلک بما یعرف فی علم النفس بـ«التحیز السلبی»، حیث تحظى المعلومات السلبیه باهتمام ومعالجه ذهنیه أکبر فی کثیر من الظروف. لکن هذا التأثیر لیس قاعده مطلقه، إذ تلعب أهمیه المعلومه وسیاقها وعمر الشخص وطبیعه العلاقه دوراً فی کیفیه تذکرها.
وفقا لساعدنیوز، فإن تذکّر ملاحظه جارحه بعد أیام، بینما ننسى سریعاً سلسله من المجاملات، لا یعنی بالضروره أن ذاکرتنا تعمل بطریقه معیبه. فقد یکون الأمر انعکاساً لظاهره نفسیه معروفه باسم التحیز السلبی، وهی میل الإنسان فی کثیر من المواقف إلى منح المعلومات السلبیه قدراً أکبر من الانتباه والوزن النفسی مقارنه بالمعلومات الإیجابیه المماثله.
ولا یعنی ذلک أن الدماغ یتذکر کل تجربه سیئه بدقه أکبر من کل تجربه جیده. فالذاکره أکثر تعقیداً من هذه القاعده المبسطه. لکن عندما یکون النقد مفاجئاً أو شخصیاً أو مرتبطاً بصوره الإنسان عن نفسه أو بخوفه من ارتکاب خطأ مستقبلاً، فقد یحظى باهتمام ذهنی مکثف یجعله أکثر صعوبه فی النسیان.
درس علماء النفس تأثیر المعلومات السلبیه على الإنسان لعقود. وفی مراجعه بحثیه مؤثره بعنوان «السیئ أقوى من الجید»، خلص روی بومیستر وزملاؤه إلى أن الأحداث والمشاعر والتغذیه الراجعه والمعلومات السلبیه غالباً ما یکون تأثیرها أقوى من نظیراتها الإیجابیه، مع الإشاره إلى عوامل من بینها بروز المعلومه السلبیه وقیمتها فی تفسیر ما حدث.
تخیل أن شخصاً قدم عرضاً أمام مجموعه من زملائه، ثم تلقى تسع ملاحظات تشید بوضوحه وثقته واستعداده، قبل أن یقول له شخص واحد: «کان شرحک مربکاً فی منتصف العرض».
قد تمنحه الملاحظات الإیجابیه شعوراً جیداً، لکن الملاحظه السلبیه تفتح أمام عقله مشکله تحتاج إلى حل:
أین حدث الارتباک؟
لماذا حدث؟
هل لاحظه الآخرون؟
وکیف یمکن تجنبه فی المره المقبله؟
هذا النوع من التفکیر مهم للذاکره، لأن المعلومات التی تحظى بمزید من الانتباه والمعالجه الذهنیه تکون لدیها فرص أکبر للترسخ.
فی تجربه بحثیه تناولت الانتباه والتذکر، استخدم الباحثون تقنیه تتبع حرکه العین لمعرفه کیفیه تعامل المشارکین مع التغذیه الراجعه الإیجابیه والسلبیه، ثم اختبروا قدرتهم على تذکرها والتعرف إلیها لاحقاً.
وأظهرت النتائج أن المشارکین قضوا وقتاً أطول فی النظر إلى التغذیه الراجعه السلبیه، کما کان تعرفهم إلیها أفضل من تعرفهم إلى التغذیه الراجعه الإیجابیه. ولم یتغیر هذا النمط بصوره جوهریه مع اختلاف النتیجه العامه التی حصل علیها المشارکون.
وهنا تظهر نقطه مهمه: قد لا تکون الملاحظه السلبیه أکثر رسوخاً فی الذاکره لمجرد أنها سلبیه، بل لأنها حصلت على مزید من الانتباه منذ اللحظه الأولى.
قد یعید الشخص قراءه التعلیق، ویتذکر تعبیر وجه صاحبه، ویفکر فیما إذا کان محقاً، ثم یعید فی ذهنه بناء الموقف الذی قیلت فیه الملاحظه. وکل هذه العملیات تضیف روابط جدیده إلى الذاکره.
أما عباره مثل «أحسنت، کان أداؤک رائعاً»، فقد تکون ممتعه ومشجعه، لکنها لا تحتاج دائماً إلى هذا القدر من التحلیل.
هناک تفسیر عملی آخر لهذا المیل.
قد یکون تجاهل مشکله محتمله أکثر کلفه من تجاهل فرصه جیده. فإذا کان هناک خطأ أو رفض أو خطر محتمل، فقد یحتاج الإنسان إلى تعدیل سلوکه استجابه له.
ولهذا یرى باحثون أن التحیز نحو المعلومات السلبیه قد یرتبط، جزئیاً، بوظیفه تکیفیه؛ إذ تساعد الحساسیه تجاه المعلومات الضاره أو المهدده على الاستجابه لها. وقد ظهرت آثار هذا المیل فی مجالات مثل الانتباه والتعلم والأحکام الاجتماعیه والذاکره.
لکن الخطر فی الحیاه الحدیثه لیس بالضروره خطراً جسدیاً.
قد یکون «التهدید» مجرد تعلیق على صوره، أو ملاحظه من مدیر، أو انتقاد من صدیق، أو رأی شخص مهم بالنسبه إلینا.
الدماغ لا یعرف بالضروره أن هذه المعلومه مهمه فعلاً؛ لکنه قد یتعامل معها على أنها قد تؤثر فی السمعه أو العلاقات أو الأداء أو الشعور بالانتماء.
لا تحمل جمیع التعلیقات الوزن نفسه.
ملاحظه سلبیه من شخص مجهول على الإنترنت قد تمر سریعاً، بینما قد تبقى الجمله نفسها فی الذاکره إذا قالها مدیر أو شریک أو صدیق أو معلم نثق برأیه.
وهذا یفسر لماذا یمکن للکلمات نفسها أن تترک آثاراً مختلفه تماماً بحسب المتحدث.
فعباره «تحتاج إلى تحسین عملک» قد لا تعنی الکثیر إذا جاءت من شخص مجهول، لکنها تصبح أکثر أهمیه عندما تصدر عن شخص یرتبط حکمه بمستقبلنا المهنی.
کما أن العلاقه الاجتماعیه والسیاق یؤثران فی الذاکره بطرق معقده. وتشیر مراجعه منهجیه للأبحاث المتعلقه بالتغذیه الراجعه الاجتماعیه إلى وجود نتائج تدعم فی بعض الظروف تفوق تذکر المعلومات الإیجابیه، بینما تظهر فی ظروف أخرى أنماطاً مختلفه مرتبطه بالسلبیه أو شده المعلومه.
هذه نقطه ضروریه حتى لا تتحول فکره «التحیز السلبی» إلى قاعده مبالغ فیها.
لا یمکن القول إن الإنسان یتذکر دائماً النقد أفضل من المدیح. فقد وجدت بعض الدراسات نتائج تمیل لمصلحه المعلومات الإیجابیه، کما أظهرت دراسه حدیثه باستخدام تخطیط کهربائیه الدماغ عدم وجود فرق إجمالی فی دقه استرجاع القرارات المرتبطه بالتغذیه الراجعه الإیجابیه والسلبیه لدى عینه الدراسه، رغم ظهور اختلافات فی النشاط المعرفی المصاحب للاسترجاع.
کما یمکن للعمر أن یلعب دوراً. فقد وجدت أبحاث مرتبطه بما یعرف بـ«تأثیر الإیجابیه» أن کبار السن قد یمیلون فی بعض السیاقات العاطفیه إلى معالجه المعلومات الإیجابیه وتذکرها بدرجه أکبر.
لذلک فإن الاستنتاج الأدق هو أن المعلومات السلبیه غالباً ما تمتلک أفضلیه فی جذب الانتباه عندما تکون مهمه أو مفاجئه أو مرتبطه بالذات، ولیس أنها تنتصر دائماً على المعلومات الإیجابیه فی الذاکره.
هناک فرق آخر بین المدیح والنقد: النقد غالباً ما یترک وراءه سؤالاً مفتوحاً.
إذا قال لک شخص: «أنت ممتاز فی هذا العمل»، فقد تنتهی المعلومه عند هذا الحد.
لکن إذا قال: «أنت جید، إلا أن هناک مشکله مهمه فی طریقتک»، فقد یبدأ العقل فوراً فی البحث عن تفسیر.
هل کان محقاً؟
هل ارتکبت الخطأ نفسه سابقاً؟
هل لاحظه الآخرون؟
هل یقول ذلک شیئاً عن شخصیتی؟
هل ینبغی أن أغیر شیئاً؟
وهکذا یمکن لجمله واحده أن تتحول إلى سلسله طویله من الأسئله.
وهذا قد یجعل المعلومه السلبیه أکثر حضوراً، لیس بالضروره لأن کلماتها أهم، بل لأننا بذلنا جهداً ذهنیاً أکبر فی التعامل معها.
تقدم التعلیقات على مواقع التواصل الاجتماعی مثالاً واضحاً على هذه الظاهره.
قد یحصل شخص على عشرات الإعجابات والرسائل الإیجابیه، ثم یقرأ تعلیقاً عدائیاً واحداً ویعود إلیه مرات عدیده.
والبیئه الرقمیه تجعل الأمر أکثر سهوله؛ فالتعلیق یبقى أمام العین، ویمکن إعاده قراءته أو مشارکته أو تصویره أو مناقشته مع الآخرین. وکل تعرض جدید له یمنحه فرصه أخرى لجذب الانتباه.
وتشیر أبحاث التغذیه الراجعه الاجتماعیه إلى أن الملاحظات الإیجابیه والسلبیه یمکن أن تؤثر فی السلوک والاستجابات العاطفیه بطرق مختلفه، إلا أن النتائج تعتمد بدرجه کبیره على السیاق والفروق الفردیه.
وبذلک قد تستغرق کتابه تعلیق قاسٍ بضع ثوانٍ، لکنه یشغل مساحه ذهنیه أکبر بکثیر لدى الشخص الذی تلقاه.
لیس من السیئ أن نتذکر النقد.
فالتغذیه الراجعه السلبیه قد تساعد الإنسان على اکتشاف الأخطاء وتحسین مهاراته وتجنب تکرار السلوکیات غیر المفیده. وتظهر بعض التجارب المتعلقه بالذاکره العامله أن أنماط التغذیه الراجعه التی تثبط الأداء الضعیف یمکن أن تقلل من حالات الإخفاق أکثر من التغذیه الراجعه البسیطه فی بعض المهام.
لکن المشکله تبدأ عندما نخلط بین تذکر النقد والاعتقاد بأنه صحیح بالضروره.
فالتعلیق الذی نتذکره بوضوح لیس بالضروره تعلیقاً دقیقاً.
قد یحتفظ الإنسان بإهانه ظالمه فی ذاکرته لسنوات، فی حین أن کثره تذکرها لا تمنحها أی سلطه إضافیه. وبالمثل، فإن ملاحظه صحیحه واحده لا تلغی عشرات کلمات التقدیر الصادقه.
شده الشعور الذی یرافق الذکرى لیست مقیاساً موثوقاً لحقیقه المعلومه.
عندما یبدأ تعلیق قاسٍ فی احتلال مساحه کبیره من التفکیر، قد یکون من المفید الفصل بین ثلاثه أسئله:
هل کان التعلیق مؤثراً عاطفیاً؟
ربما.
هل یمکن أن یکون مفیداً؟
ممکن.
هل کان دقیقاً؟
هذا یحتاج إلى دلیل.
وهذا الفصل مهم لأن التحیز السلبی قد یؤثر فی ما نلاحظه، لکنه لا یحدد بالضروره ما هو صحیح.
بدلاً من السؤال: «لماذا لا أستطیع التوقف عن التفکیر فی هذا التعلیق؟»، یمکن طرح سؤال أکثر فائده: «ماذا یقول هذا التعلیق تحدیداً، وما الأدله التی تؤیده؟»
إذا کان النقد محدداً وقابلاً للتطبیق، فقد یکون من المفید الاستفاده منه. أما إذا کان غامضاً أو مهیناً أو بلا أساس، فإن بقائه فی الذاکره لا یجعله أکثر صدقاً.
کون التعلیقات السلبیه قادره على جذب الانتباه بقوه أکبر لا یعنی أن المدیح بلا قیمه.
فالتجارب الإیجابیه یمکن أن تتراکم. کما یمکن للتشجیع المتکرر والعلاقات الداعمه والتقدیر المستمر أن تسهم فی تکوین شعور عام بأن العمل أو الحیاه أو العلاقات تسیر بصوره جیده. وقد أشار بومیستر وزملاؤه أیضاً إلى أن کثره النتائج الإیجابیه واستمرارها یمکن أن تساعد على تجاوز تأثیر التجارب السلبیه الفردیه.
وهنا تکمن مفارقه مهمه.
قد لا تنتج المجامله دائماً ذلک الأثر الذهنی المفاجئ الذی یترکه النقد، لکنها تستطیع مع مرور الوقت أن تصبح جزءاً من نمط أوسع وأکثر استقراراً.
لذلک، إذا ظل تعلیق سلبی واحد یتردد فی ذهنک بعد أیام، فهذا لا یعنی بالضروره أنه کان أهم شیء قیل لک.
قد یعنی ببساطه أن دماغک قرر أنه المعلومه التی تحتاج إلى أکبر قدر من الانتباه.