ساعدنیوز: أظهر باحثون أن کابلات الاتصالات المصنوعه من الألیاف الضوئیه یمکنها رصد حوت أزرق أثناء غوصه حتى بعد توقفه عن إصدار الأصوات، ما قد یتیح وسیله جدیده لمتابعه الحیتان قرب قاع البحر.
وفقا لساعدنیوز على عمق یقارب 1,000 قدم تحت میاه البحر قباله أرخبیل سفالبارد النرویجی، تمکن علماء من رصد جسم ضخم یتحرک فی الماء. حرکه هذا الجسم أزاحت کمیه من المیاه وأنتجت موجات منخفضه التردد انتشرت باتجاه قاع البحر، حیث تسببت فی تمدد طفیف للغایه داخل کابل من الألیاف الضوئیه مدفون تحت قاع البحر.
وعلى الیابسه، أرسل الباحثون نبضات لیزر عبر الکابل. وأثناء انتقال الضوء داخل الألیاف، تتسبب العیوب المجهریه الموجوده فی الزجاج فی تشتیت جزء منه، ما یسمح برصد التغیرات التی تصیب الکابل. وفی العاده، یمکن أن تشیر مثل هذه الإشارات إلى مرور غواصه أو سفینه کبیره فوق الکابل. لکن المصدر هذه المره کان حوتاً أزرق.

یعتمد العلماء عاده على الهیدروفونات، وهی میکروفونات تحت الماء تلتقط أصوات الحیتان، لرصد هذه الحیوانات. وفی عام 2020، اکتشف فریق من الباحثین النرویجیین أن شبکه کابلات الاتصالات الممتده تحت المحیطات یمکنها أیضاً تسجیل نداءات الحیتان بشکل سلبی، ونشروا دراسه حول النتیجه فی عام 2022. أما الدراسه الجدیده التی أعدها بعض الباحثین أنفسهم، فتبحث فی إمکانیه استخدام کابلات الاتصالات بالألیاف الضوئیه لاکتشاف الحیتان حتى عندما لا تصدر أی صوت.
وکان لا بد من التوصل إلى اکتشافین سابقین للوصول إلى هذه النتیجه. فقد أثبتت دراسه عام 2022 إمکانیه رصد أصوات الحیتان عبر الکابلات، بینما أظهرت تجارب أخرى أن مرور السفن یمکن أن یظهر على الکابلات أیضاً. فعندما تتحرک السفینه، یدفع هیکلها المیاه من حوله، منتجاً موجات منخفضه التردد یمکن للعلماء قیاسها.
وقال مارتن لاندرو، عالم الجیوفیزیاء فی الجامعه النرویجیه للعلوم والتکنولوجیا والمؤلف الرئیسی للدراسه الجدیده: «یشبه الأمر سقوط صخره على سطح البحر، فتتکون هذه الموجات الجمیله».
وعندما تمر الغواصات أو السفن الکبیره فوق الکابلات، فإنها تتسبب فی تمدد الألیاف الزجاجیه بطریقه مشابهه لما فعله الحوت الأزرق. لکن بیانات نظام التعرف الآلی الخاصه بالسفن مکنت الباحثین من التأکد من أن مصدر الإشاره کان سفینه، بل وتحدید السفینه المعنیه.
أما الحوت فکانت حالته مختلفه. فقد کان یصدر أصواتاً قرب سطح البحر، وتمکن فریق البحث النرویجی من التقاط صوته بواسطه محطه الاستجواب الموجوده على الیابسه. ثم غاص الحوت إلى الأعماق، وعندها رصد الباحثون اضطراباً من النوع نفسه الذی سبق أن شاهدوه عندما کانت الغواصات أو السفن تتحرک فوق الکابل. وبفضل النداء الذی أصدره الحوت قبل الغوص، استطاعوا ربط الاضطراب بالحیوان، وبالتالی «رؤیه» موقعه قرب الکابل رغم أنه أصبح صامتاً تماماً.
وأوضح لاندرو أن التسلسل أظهر أن الحوت کان یصدر صوتاً ثم بدأ الغوص، وبعد ذلک ظهر فی البیانات منخفضه التردد أثر لا علاقه له بالصوت، ویمکن إرجاعه إلى سباحه الحوت أو حرکته.
وتُعرف هذه التقنیه باسم الاستشعار الصوتی الموزع، أو DAS. وتمکن الفریق من تحدید مجالات الضغط والسرعه الهیدرودینامیکیه التی أحدثتها حرکه الحوت فی بیانات DAS منخفضه التردد. وقالت شیما عبادی، وهی مهندسه میکانیکیه فی کلیه علم المحیطات بجامعه واشنطن فی سیاتل ولم تشارک فی الدراسه، إن البحث یمثل «خطوه أولى مهمه» لتقییم مدى إمکانیه تطبیق هذه الطریقه.
وبما أن الحیتان الزرقاء هی أکبر الحیوانات على الأرض، فلیس من المستغرب أن تکون قادره على إزاحه کمیه من المیاه تکفی للتأثیر فی الکابل. لکن دراسه موجات الضغط الناتجه عن حرکه المیاه لیست سهله، لأن تردداتها أقل بکثیر من ترددات أصوات الحیتان الفعلیه. وکان لاندرو وفریقه یعرفون مسبقاً کیفیه تحلیل هذه الظاهره لدى السفن، بینما أتاح غوص الحوت الأزرق الربط بین سطح البحر وقاعه.
ولإعاده ترکیب الاضطراب منخفض التردد الذی أحدثه الحوت، استخدم العلماء معادله رایلی الفیزیائیه التی تعود إلى عام 1917، والتی وضعت فی الأصل لدراسه انهیار الفقاعات الصغیره فی الماء. ورغم الفارق الهائل فی الحجم بین الفقاعات والحیتان الزرقاء، فإن المبادئ الفیزیائیه الأساسیه نفسها سمحت للباحثین باستخدام المعادله لتحلیل الاضطراب الناتج عن الحوت.
وقد یفتح هذا الاکتشاف مجالاً جدیداً لمراقبه الحیتان بالقرب من قاع البحر، حیث یصعب على العلماء الوصول إلیها أو رؤیتها. وقال لاندرو إن التقنیه قد تتیح رصد التغیرات الیومیه أو الموسمیه فی سلوک الحیتان، إلى جانب تتبعها واکتشاف الحیوانات التی لا تصدر أصواتاً على الإطلاق. ویستخدم الباحثون حالیاً علامات شفط تُثبت على أجسام الحیتان عند سطح البحر لدراسه سلوکها تحت الماء، لکن هذه العلامات قد تسقط ولا تستمر عاده لفترات طویله. ویرى ویلیام ویلکوک، عالم الجیوفیزیاء البحریه فی کلیه البیئه بجامعه واشنطن ولم یشارک فی الدراسه، أن التقنیه قد تکون مفیده خصوصاً لحیوانات مثل الحیتان الرمادیه التی تتغذى فی قاع البحر.
یحتفظ المتحف الوطنی للتاریخ الطبیعی بجمجمه حوت أزرق تزن طنین ویبلغ طولها 19 قدماً، وتُعرف باسم «بیغ بلو». وابتداءً من أواخر سبعینیات القرن الماضی، ظلت الجمجمه معلقه فی سقف المتحف لعده عقود. وهی موجوده حالیاً فی منشأه غاربر للحفظ والترمیم والتخزین فی سویت لاند بولایه ماریلاند.
تُستخدم الکابلات البحریه أساساً للاتصالات ونقل المعلومات، بما یشمل البیانات المصرفیه والملفات الضخمه وحتى المعلومات الاستخباراتیه الأجنبیه. وهی تربط الجزر والقارات، کما أن مدها وترکیبها مکلف للغایه. وتتکون الکابلات من ألیاف ضوئیه شدیده النحافه، غالباً ما یصل عددها إلى مئات الألیاف داخل الکابل الواحد، وتحاط بغلاف من البلاستیک أو المعدن. ویبلغ قطر الکابل عاده بضع بوصات فقط، ویُدفن أو یُثبت فی قاع البحر.
ویُقدَّر عدد الکابلات البحریه النشطه حالیاً بنحو 600 کابل، تمتد لأکثر من 930,000 میل عبر قاع المحیطات فی العالم. أما الکابل المستخدم فی الدراسه النرویجیه فیبلغ طوله 160 میلاً، وقد جرى ترکیبه عام 2015 ویُستخدم لربط مدینتین.
وتملک شرکات الاتصالات معظم هذه الکابلات، بینما بدأت شرکات البیانات، مثل Google وAmazon، فی امتلاک المزید منها أیضاً. وتحتوی بعض الکابلات على ما یسمى «الألیاف المظلمه»، وهی ألیاف زجاجیه غیر مستخدمه یمکن تشغیلها إذا دعت الحاجه إلى سعه إضافیه. وفی بعض الحالات، تسمح الشرکات للعلماء باستخدام هذه الألیاف فی أعمال المراقبه والبحث. لکن الوصول إلى البنیه التحتیه یظل محدوداً. وقال ویلکوک إن معظم کابلات الاتصالات لا یستطیع الباحثون الوصول إلیها، وإن تکلفه نقل البیانات عبرها وفق الأسعار الفعلیه قد تجعل استخدامها البحثی غیر ممکن مالیاً.
ولا تقتصر حساسیه هذه الکابلات على إمکانیه کشف الحیتان الصامته؛ فهی تحمل أیضاً أهمیه جیوسیاسیه. ویمکنها رصد سفن «مظلمه» تمر فوقها، بل وربما اعتراض معلومات حساسه تنتقل عبرها. وقال لاندرو إن التمییز بین سفینه أو غواصه وحوت یمکن أن یعتمد جزئیاً على شکل الحوت الأکثر عدم انتظاماً. لکنه أشار إلى ضروره التعامل بحذر مع البیانات، إذ تقع محطه الأبحاث التی استخدمها الفریق على مسافه تقل عن 200 میل من أقرب موقع روسی، وعلى بعد نحو 700 میل من القطب الشمالی، وهی منطقه شدیده الحساسیه للحکومات وتضم موارد طبیعیه لم تُستغل بعد.
ولا یستخدم العلماء هذه التقنیه للبحث عن عملیات عسکریه سریه، بل لدراسه الحیتان فی بیئتها الطبیعیه، وهی بیئه واجه الباحثون صعوبه مستمره فی الوصول إلیها. وأصبح تحدید کثافه تجمعات الحیتان أکثر أهمیه بالنسبه إلى الشحن والعملیات العسکریه والجهات الصناعیه التی تسعى إلى تنفیذ مشروعات فی المحیط. وقد تساعد طریقه الرصد الجدیده فی متابعه أعداد الحیتان، وهو أمر وصفه ویلکوک بأنه معلومه أساسیه لفهم تعافی أعدادها بعد صید الحیتان.
وتظل المسافه أکبر قیود الاکتشاف حتى الآن. وذکرت الدراسه أن الباحثین تمکنوا من رصد إشارات الضغط والسرعه الهیدرودینامیکیه الناتجه عن سفینه سیاحیه على عمق مائی یبلغ 413 متراً، أو 1,400 قدم، وعلى مسافه تصل إلى 550 متراً، أو 1,800 قدم، من کابل الألیاف. أما الحیتان الزرقاء الأصغر، فکان بالإمکان رصدها أثناء الغوص عندما تکون على مسافه لا تتجاوز 40 متراً، أو 130 قدماً، من الکابل. کما یمثل الوصول إلى الکابلات تحدیاً إضافیاً، لأن العدید من شرکات البیانات لا تسمح للباحثین الخارجیین باستخدام بنیتها التحتیه.
ولا تزال هذه التقنیه فی مراحلها الأولى، لکنها تقدم لمحه جدیده عن إمکانیه استخدام البنیه التحتیه الموجوده تحت البحر لدراسه حیاه الحیتان فی الأعماق. وقالت عبادی إن هناک أسئله عده ما زالت بحاجه إلى إجابه، من بینها أقصى عمق للمیاه وأبعد مسافه بین الحیوان والکابل یمکن عندها استمرار عملیه الکشف. ومع ذلک، یمکن لهذه الکابلات، رغم القیود المحتمله، أن توفر قدره على مراقبه ما تحت الماء تشبه، فی بعض جوانبها، ما توفره صور الأقمار الصناعیه فوق سطح المحیط.