ساعدنیوز: لم تکن المراحیض والمجاری القدیمه مجرد أماکن للتخلص من الفضلات؛ فقد حفظت بذوراً وبقایا طعام وبیض طفیلیات وأغراضاً شخصیه، بل وحتى قبراً غیر متوقع. ولهذا أصبحت هذه المواقع مصدراً استثنائیاً لفهم غذاء البشر وصحتهم وحیاتهم الیومیه فی الماضی.
وفقا لساعدنیوز، قد تبدو المراحیض من أکثر الأماکن التی لا یتوقع أحد أن یجد فیها أثراً تاریخیاً مهماً، لکن علماء الآثار اکتشفوا أن العکس صحیح فی کثیر من الحالات.
فالأحواض والمراحیض والحفر التی کانت تجمع الفضلات یمکن أن تتحول، بعد مرور مئات أو آلاف السنین، إلى أرشیفات صغیره للحیاه الیومیه. وفی البیئات الرطبه والمغلقه، یمکن أن تبقى مواد عضویه کان من المفترض أن تتحلل وتختفی، مثل البذور وبقایا النباتات والأقمشه وبعض الآثار المجهریه.
والأهم أن هذه البقایا لا تخبر الباحثین عن طریقه التخلص من الفضلات فحسب، بل یمکن أن تکشف ما کان الناس یأکلونه، والأمراض التی أصابتهم، والنباتات التی استخدموها، وحتى بعض تفاصیل حیاتهم الاجتماعیه.
فی القدس، عثر علماء الآثار على مقعد مرحاض حجری فی موقع «أرمن هنتسیف» یعود إلى القرن السابع قبل المیلاد، ضمن عقار فاخر. وکانت المراحیض الخاصه نادره فی ذلک العصر، ولذلک ارتبط وجودها بالثراء والمکانه الاجتماعیه.
لکن ما وجد فی الحفره الموجوده أسفل المقعد قدم صوره مختلفه تماماً عن حیاه أصحاب المکان.
فبعد تحلیل عینات من الرواسب، تمکن الباحثون من تحدید بیوض أربعه أنواع أو مجموعات من الطفیلیات المعویه، شملت الدیدان السوطیه، والدیدان الأسطوانیه، والدیدان الشریطیه، والدوده الدبوسیه. وهذا یعنی أن الثراء لم یکن کافیاً لحمایه أصحاب هذا المنزل من الأمراض الطفیلیه.
واللافت أن بعض هذه البیوض بقی محفوظاً لنحو 2700 عام بفضل الظروف الخاصه داخل الحفره. ویتیح هذا النوع من الأدله لعلماء «علم الطفیلیات الأثری» دراسه تاریخ الأمراض والنظافه والصحه بطریقه یصعب الحصول علیها من الهیاکل العظمیه وحدها.
کما کشفت دراسه لاحقه عن أدله على وجود طفیلی Giardia duodenalis فی رواسب مرتبطه بمراحیض من العصر الحدیدی فی القدس، ما یشیر إلى وجود الطفیلی فی المنطقه قبل نحو 2600 عام.
لا تقتصر محتویات المراحیض الأثریه على الفضلات والطفیلیات.
فقد یجد العلماء داخل الرواسب بذوراً وفواکه وحبوباً وحبوب لقاح، ویمکن لهذه البقایا أن تساعد فی إعاده بناء النظام الغذائی للسکان.
فی مرحاض یعود إلى العصر الرومانی فی مدینه أرلون، فی بلجیکا الحالیه، عثر الباحثون على آلاف البذور والثمار المحفوظه فی بیئه مائیه، بینها حبوب وفواکه ومکسرات وتوابل وخضروات. کما ظهرت أدله على الطفیلیات المعویه وبقایا مرتبطه بصلصه السمک.
ولا تقتصر أهمیه هذه النتائج على معرفه ما کان یأکله السکان. فتنوع النباتات یمکن أن یکشف أیضاً عن الزراعه والتجاره والعادات الغذائیه والوضع الاقتصادی لمن کانوا یستخدمون المکان.
وفی أحد مراحیض کوبنهاغن من عصر النهضه، عثر الباحثون على أدله تشیر إلى تناول الأسماک والخبز أو العصیده والفواکه والمکسرات والأعشاب، إضافه إلى منتجات أکثر ارتباطاً بشبکات التجاره العالمیه، مثل الحمضیات والقرنفل والتین والعنب. وفی الوقت نفسه، کشفت الرواسب عن وجود طفیلیات معویه.
وهکذا یمکن للحفره القدیمه أن تعمل، من الناحیه الأثریه، کمخزن طعام وسجل صحی فی الوقت نفسه.
تکشف بعض المراحیض القدیمه عن جانب آخر من حیاه الإنسان: محاولاته لمواجهه المرض.
ففی الیابان، أظهرت أبحاث على رواسب مرافق قدیمه للتخلص من الفضلات وجود بیوض طفیلیات إلى جانب حبوب لقاح وبذور نباتیه. وقد رأى الباحثون أن بعض هذه النباتات ربما ارتبط باستخدام نباتات طبیه لمواجهه مشکلات الطفیلیات. کما عُثر فی بعض هذه المواقع على حشرات وعظام حیوانات وبقایا صغیره أخرى.
وتزداد قیمه هذه الأدله عندما تُدرس معاً. فقد لا یکون لبذره واحده معنى واضح، لکن اجتماع البذور وحبوب اللقاح وبقایا الحیوانات والطفیلیات فی الموقع نفسه یمکن أن یقدم صوره أکثر دقه عن الطعام والبیئه والصحه.
لیست کل المکتشفات داخل المراحیض القدیمه ذات طبیعه بیولوجیه.
فقد تحتوی الحفر والمجاری على قطع فخاریه وزجاجیه وعملات معدنیه وبقایا طعام وغیرها من الأدوات المنزلیه. بعضها ربما ألقی عمداً، وبعضها الآخر قد یکون سقط بالصدفه ولم یستطع صاحبه استعادته.
وتکتسب العملات أهمیه خاصه لأنها قد تساعد فی تحدید الفتره التی کان المرحاض مستخدماً خلالها. وفی مرحاض رومانی عام بمدینه فیمیناسیوم، ساعدت العملات المکتشفه على أرضیه المکان فی تحدید فتره استخدامه، بینما خضعت کتله من البراز المتحجر، المعروفه فی علم الآثار باسم «کوبrolite»، لتحلیل بحثاً عن بقایا الطفیلیات.
لهذا لا ینظر علماء الآثار إلى کل ما یوجد فی الحفره على أنه قمامه بلا قیمه. فمکان العثور على الشیء قد یکون مهماً بقدر الشیء نفسه.
ومن أکثر الأمثله إثاره للاهتمام اکتشاف حدیث فی مدینه بادربورن الألمانیه.
ففی عام 2026، عثر علماء الآثار أثناء التنقیب فی مراحیض من العصور الوسطى على دفتر صغیر مصنوع من ألواح خشبیه مغطاه بالشمع، ومحفوظ داخل غلاف جلدی مزخرف. ویرجع الدفتر إلى القرنین الثالث عشر أو الرابع عشر، ویحمل کتابات لاتینیه.
والمفارقه أن المکان الذی سقط فیه الدفتر هو أحد أسباب بقائه. فقد ساعدت البیئه الرطبه والمغلقه داخل المرحاض على حمایه المواد العضویه من التحلل المعتاد.
وعثر الباحثون فی المکان نفسه أیضاً على قطع من الحریر یُعتقد أنها ربما استُخدمت لأغراض مرتبطه بالنظافه الشخصیه، وهی إشاره محتمله إلى المکانه الاجتماعیه المرتفعه لبعض مستخدمی المرحاض.
لکن أغرب المکتشفات قد لا تکون شیئاً مفقوداً على الإطلاق.
ففی أفسس، فی ترکیا الحالیه، أعاد باحثون مؤخراً دراسه قبر لطفلین حدیثی الولاده عُثر علیه داخل قناه مهجوره کانت جزءاً من مرحاض عام رومانی.
کان المکان جزءاً من مبنى «الأودیون» الرومانی، وقد احتوى فی فتره سابقه على مرحاض عام یضم نحو 30 مقعداً. لکن القبر جاء بعد التخلی عن المبنى بقرون. وتشیر التأریخات بالکربون المشع إلى أن الدفن حدث فی القرنین الثامن أو التاسع المیلادیین.
وُضع الطفلان جنباً إلى جنب داخل قبر صغیر مبنی من الحجاره والطوب، وتشیر وضعیتهما وطریقه بناء القبر إلى ممارسات دفن مسیحیه مبکره. کما عُثر قرب رأس أحدهما على قطعه حدید ربما استُخدمت لتثبیت الکفن.
ویحذر الباحثون من تفسیر مثل هذه المدافن غیر المعتاده تلقائیاً باعتبارها دلیلاً على التخلص من الأطفال أو قتلهم. ففی حاله أفسس، تشیر العنایه الواضحه ببناء القبر إلى أن المکان ربما اختیر للدفن لأسباب اجتماعیه أو دینیه، لا لمجرد التخلص من الجثامین.
تکمن أهمیه هذه المواقع فی أنها لا تقدم مجرد قصص غریبه.
فالمراحیض والحفر القدیمه یمکن أن تجمع فی مکان واحد بقایا الإنسان والطعام والنباتات والحیوانات والأدوات. وقد تکشف البذور عن النظام الغذائی، وتکشف حبوب اللقاح عن البیئه والنباتات، بینما تقدم بیوض الطفیلیات أدله عن الأمراض. أما العملات والأوانی والأغراض الأخرى فقد تساعد فی فهم الزمن والعادات والوضع الاقتصادی.
بل إن هذه الأدله یمکن أن تغیر تصورات شائعه عن بعض الحضارات القدیمه. فقد امتلک الرومان شبکات صرف صحی ومراحیض عامه وقنوات میاه وحمامات ومنظومات متقدمه لإداره الفضلات، لکن الأدله الطفیلیه تشیر إلى أن هذه التطورات لم تؤد بالضروره إلى اختفاء الطفیلیات المعویه. وفی بعض الحالات، ازدادت أنواع معینه منها خلال العصر الرومانی، ربما بسبب استخدام الفضلات البشریه کسماد، والتنقل والتجاره عبر الإمبراطوریه.
وهنا تکمن المفارقه.
فالأماکن التی اعتبرها الناس فی الماضی قذره ولا قیمه لها یمکن أن تکون الیوم من أغنى المصادر لفهم حیاتهم.
قد یخبرنا القصر بما أراد الحکام إظهاره للعالم، لکن المرحاض قد یخبرنا بما أکله الناس فعلاً، وما الأمراض التی أصابتهم، وما النباتات التی استخدموها، وما الأشیاء التی فقدوها أو تخلصوا منها.
وأحیاناً، کما أثبتت الاکتشافات الحدیثه، قد یخبرنا حتى عن الأشخاص الذین عاشوا وماتوا فی عالم اختفى منذ قرون.