ساعدنیوز: یکشف استطلاع نشرته هیئه البث الإسرائیلیه «کان» أن نحو 20% من الإسرائیلیین فکروا بجدیه فی مغادره إسرائیل خلال العامین الماضیین، فیما تشیر أبحاث نقلتها الهیئه إلى مستویات مرتفعه من الهجره، وسط مخاوف خاصه من مغادره أصحاب الکفاءات العلمیه والمهنیه.
وفقا لساعدنیوز تکشف نتائج استطلاع جدید نشرته هیئه البث الإسرائیلیه «کان» عن مؤشر لافت بشأن تنامی التفکیر فی الهجره من إسرائیل، بعدما قال نحو 20% من المشارکین إنهم فکروا بجدیه خلال العامین الماضیین فی مغادره البلاد.
ولا تتوقف دلاله الرقم عند الأشخاص الذین یفکرون فی الرحیل بأنفسهم، إذ أظهر الاستطلاع أن نحو ثلث الإسرائیلیین یعرفون شخصاً واحداً على الأقل غادر إسرائیل خلال الفتره نفسها.
وبذلک، تبدو الهجره، وفق نتائج الاستطلاع، أکثر من مجرد قرار فردی بعید عن الحیاه الیومیه؛ فهی أصبحت حاضره فی محیط عدد کبیر من الإسرائیلیین، سواء من خلال أقارب أو أصدقاء أو زملاء أو معارف غادروا بالفعل.
الاستطلاع الذی أجرته «کان» ونشرت نتائجه یوم الاثنین، أظهر أیضاً أن الانتخابات المقبله فی أکتوبر قد تلعب دوراً مهماً فی قرارات بعض الإسرائیلیین بشأن مستقبلهم.

وبحسب النتائج، قال 12% من المشارکین إن نتائج الانتخابات ستؤثر بدرجه کبیره فی قرارهم المتعلق بالهجره، بینما قال 20% آخرون إنهم لا یعرفون بعد ما إذا کانت نتائج الانتخابات ستؤثر فی هذا القرار.
وهذا یعنی أن جزءاً من الذین یفکرون فی الرحیل لا یبدو أنه اتخذ قراراً نهائیاً بعد، بل ینتظر تطورات سیاسیه مقبله قبل تحدید الخطوه التالیه.
اللافت أیضاً أن السؤال لم یعد متعلقاً فقط بمن یفکر شخصیاً فی مغادره إسرائیل. فقد سُئل المشارکون عن مدى قلقهم من احتمال حدوث موجه هجره واسعه، فأجاب 41% بأنهم یشعرون بالقلق بالفعل، فی حین اختار 13% إجابه «لا أعرف».
وتعکس هذه النتیجه مستوى أوسع من الاهتمام بالظاهره؛ فحتى الذین لا یخططون شخصیاً للمغادره قد باتوا یتابعون احتمال اتساعها باعتباره قضیه تستحق القلق.
لکن الصوره تصبح أکثر إثاره للاهتمام عند مقارنه نتائج الاستطلاع بالأرقام التی أوردتها هیئه البث الإسرائیلیه نقلاً عن بحث صادر عن جامعه تل أبیب.
فبحسب التقریر، أظهر البحث الذی نُشر الأسبوع الماضی أن أکثر من 268 ألفاً و509 إسرائیلیین غادروا إسرائیل خلال الفتره بین عامی 2023 و2025، وهی أرقام وُصفت بأنها تمثل رقماً قیاسیاً فی السنوات الأخیره.
وأضاف التقریر أن نحو 90 ألف إسرائیلی غادروا بشکل نهائی خلال العام الماضی وحده.
وتضع هذه الأرقام مسأله الهجره فی سیاق أوسع من مجرد نوایا أو أفکار. فهناک فرق بین شخص یفکر فی الرحیل وبین شخص یغادر بالفعل، لکن الجمع بین نتائج الاستطلاع وبیانات البحث الجامعی یرسم صوره عن ظاهره تحظى باهتمام متزاید داخل الإعلام والمجتمع الإسرائیلی.
البحث أشرف علیه إیتای آتر، الأستاذ فی جامعه تل أبیب، الذی قال، بحسب ما نقلته «کان»، إن السنوات الأخیره شهدت قفزه کبیره فی الهجره المعاکسه، خصوصاً بعد أحداث السابع من أکتوبر وما تلاها.
لکن أحد أکثر جوانب البحث إثاره للانتباه یتعلق بهویه بعض الذین یغادرون.
فبحسب آتر، فإن عدداً کبیراً من المغادرین ینتمی إلى شرائح ذات مستویات تعلیمیه مرتفعه، ومن بینهم عاملون فی مجالات الطب والهندسه، إلى جانب شخصیات من الوسط الاقتصادی.
وهنا تتحول قضیه الهجره من مجرد نقاش حول عدد السکان الذین یغادرون إلى نقاش أکثر تعقیداً یتعلق بنوعیه هؤلاء المغادرین أیضاً.
فخروج أصحاب الخبرات العالیه فی مجالات مثل الطب والهندسه یعنی، من حیث المبدأ، مغادره کوادر قضت سنوات فی اکتساب التعلیم والتدریب المهنی. کما أن رحیل شخصیات اقتصادیه یمکن أن یضیف بعداً آخر إلى النقاش المتعلق بالاستثمار والنشاط الاقتصادی.
ومع ذلک، لا تعنی هذه المعطیات أن جمیع من فکروا فی الهجره سیغادرون بالفعل. فالاستطلاع یقیس مواقف المشارکین وتوجهاتهم فی وقت محدد، بینما تتعلق بیانات البحث الجامعی بأشخاص غادروا بالفعل.
کما أن الماده الأصلیه لا تقدم تفسیراً واحداً وحاسماً لأسباب الهجره لدى جمیع المغادرین. ولذلک ینبغی التعامل مع الأرقام باعتبارها مؤشرات على اتجاه لافت، لا باعتبارها دلیلاً على أن کل من یفکر فی الرحیل سیتخذ الخطوه فعلاً.
مع ذلک، فإن اجتماع المؤشرات المختلفه هو ما یجعل التقریر لافتاً.
نحو 20% قالوا إنهم فکروا بجدیه فی مغادره إسرائیل خلال العامین الماضیین. ونحو ثلث المشارکین یعرفون شخصاً غادر بالفعل. و41% أعربوا عن قلقهم من احتمال اتساع موجه الهجره. وفی الوقت نفسه، ینتظر جزء من الإسرائیلیین نتائج الانتخابات المقبله قبل اتخاذ قرار بشأن مستقبلهم.
هذه الصوره تفسر سبب تحول الهجره المعاکسه إلى موضوع حاضر بقوه فی التغطیه الإعلامیه الإسرائیلیه.
العامل السیاسی یکتسب أهمیه خاصه فی هذه المرحله. فبالنسبه إلى 12% ممن شملهم الاستطلاع، یمکن لنتائج الانتخابات أن تؤثر بدرجه کبیره فی قرار الهجره، بینما لا یزال خُمس المشارکین تقریباً غیر متأکدین من تأثیر النتیجه السیاسیه على قراراتهم.
وهذا یفتح الباب أمام احتمال أن تتغیر بعض قرارات الرحیل تبعاً للتطورات السیاسیه المقبله، وإن کان الاستطلاع لا یستطیع التنبؤ بعدد الأشخاص الذین سیتخذون قراراً نهائیاً بالمغادره.
فی المقابل، یبرز عامل آخر أکثر حساسیه: الهجره بین أصحاب الکفاءات.
إذا کانت البیانات التی نقلتها «کان» عن بحث جامعه تل أبیب تعکس اتجاهاً مستمراً، فإن النقاش قد لا یبقى محصوراً فی حجم الهجره، بل قد یمتد إلى تأثیرها المحتمل على قطاعات تحتاج إلى خبرات عالیه، خصوصاً الطب والهندسه والأعمال.
وأشار آتر إلى أن القفزه فی الهجره المعاکسه خلال السنوات الأخیره جاءت بعد أحداث السابع من أکتوبر، وهی فتره شهدت تغیرات کبیره فی البیئه السیاسیه والأمنیه والاجتماعیه داخل إسرائیل.
لکن تحدید حجم التأثیر المستقبلی لهذه الهجره یظل مسأله مفتوحه.
فالأشخاص الذین یفکرون فی الرحیل قد یغیرون رأیهم، ومن غادروا بالفعل قد یقرر بعضهم العوده، کما أن القرارات الشخصیه المرتبطه بالهجره تتأثر عاده بمجموعه من العوامل ولیس بعامل واحد فقط.
ومع ذلک، فإن الأرقام الوارده فی التقریر تضع ظاهره الهجره المعاکسه أمام اختبار سیاسی واجتماعی مهم.
فإذا استمرت أعداد المغادرین بالارتفاع، وإذا تواصل خروج أصحاب الخبرات العلمیه والمهنیه، فقد تصبح القضیه أکثر ارتباطاً بالنقاش حول مستقبل الاقتصاد وسوق العمل والقدرات البشریه.
أما إذا أدت التطورات السیاسیه المقبله إلى تغییر اتجاهات الرأی العام، فقد تتغیر بدورها حسابات بعض الذین یفکرون فی الرحیل.
فی الوقت الراهن، تکشف نتائج الاستطلاع والبیانات التی أوردتها «کان» عن سؤال یتجاوز قرار الفرد بالهجره: إلى أی مدى یمکن لموجه رحیل مستمره أن تؤثر فی المجتمع الإسرائیلی على المدى الطویل؟
الإجابه لم تُحسم بعد، لکن المؤشرات التی أوردها التقریر تکفی لإبقاء القضیه فی دائره الضوء، خصوصاً مع الحدیث عن أعداد کبیره من المغادرین وعن حضور الأطباء والمهندسین وشخصیات اقتصادیه بین بعض من اختاروا الرحیل.
ولهذا، فإن الانتخابات المقبله قد لا تکون مهمه فقط باعتبارها محطه سیاسیه، بل أیضاً بالنسبه إلى أشخاص یقولون إن نتائجها یمکن أن تدخل مباشره فی قراراتهم المتعلقه بالبقاء أو المغادره.
وفی ظل هذه المعطیات، یبدو أن ملف الهجره المعاکسه مرشح للبقاء فی صداره النقاش الإسرائیلی، لیس فقط بسبب عدد الذین یفکرون فی الرحیل، وإنما بسبب السؤال الأوسع حول من یغادر، ولماذا، وما الذی یمکن أن یعنیه استمرار هذا الاتجاه للمستقبل.