ساعدنیوز: الحاسه السادسه، أو الحدس، ظاهره معقده تستند إلى العملیات اللاواعیه فی الدماغ. وفی ظروف معینه، قد یکون الحدس دقیقًا بشکل لافت، لکنه لیس معصومًا من الخطأ.
وفقًا لـ ساعدنیوز، هل سبق أن شعرتَ بیقین غریب بأن حدثًا معینًا سیقع، من دون أن تملک سببًا منطقیًا لذلک، ثم اکتشفت لاحقًا أن توقعک کان صحیحًا؟ أو ربما شعرت فی لحظه ما بأن شخصًا یراقبک، وعندما التفتَّ وجدت بالفعل شخصًا ینظر إلیک؟ تُوصف مثل هذه التجارب غالبًا بأنها «الحاسه السادسه» أو «الحدس»، وهی تجارب یعیشها کثیر من الناس فی حیاتهم الیومیه.
لکن السؤال الأساسی هو: إلى أی مدى یمکن أن یکون الحدس دقیقًا؟ وهل یمثل قدره خارقه للطبیعه، أم أن له تفسیرًا علمیًا؟ فی هذا الموضوع، نستعرض مفهوم الحاسه السادسه من زوایا علمیه ونفسیه وعصبیه، ونبحث فی الحدود الفاصله بین المعتقدات والخرافات من جهه، والواقع العلمی من جهه أخرى.
تشیر الحاسه السادسه، أو الحدس، إلى القدره على فهم شیء ما أو إدراکه من دون المرور بعملیه واعیه من التفکیر المنطقی والتحلیل المتعمد. وقد یظهر الحدس على شکل «إحساس داخلی»، أو «شعور مفاجئ»، أو معرفه یصعب تفسیر مصدرها بوضوح.
وفی الثقافه الشعبیه، یُنظر أحیانًا إلى الحاسه السادسه باعتبارها قدره غامضه تتجاوز الحواس الخمس التقلیدیه. أما من المنظور العلمی، فالحدس ظاهره معقده ومتعدده الجوانب ترتبط إلى حد کبیر بالعملیات غیر الواعیه التی یقوم بها الدماغ.
وقد أوضح دانیال کانیمان، الحائز على جائزه نوبل فی الاقتصاد، فی کتابه الشهیر «التفکیر، السریع والبطیء» أن الدماغ البشری یعتمد على نظامین رئیسیین لمعالجه المعلومات. النظام الأول سریع وتلقائی وحدسی، بینما النظام الثانی أبطأ وأکثر اعتمادًا على التفکیر المنطقی والتحلیل. ویرتبط الحدس بدرجه کبیره بنشاط النظام الأول.

أظهرت دراسات تصویر الدماغ أن مناطق معینه من الدماغ، من بینها الجسم المخطط والقشره أمام الجبهیه، تنشط أثناء اتخاذ القرارات الحدسیه. وترتبط هذه المناطق بمعالجه المعلومات بصوره غیر واعیه، إضافه إلى القدره على اکتشاف الأنماط.
وفی دراسه مثیره للاهتمام أُجریت فی جامعه أیوا، واجه أشخاص یعانون من تلف دماغی أدى إلى عدم قدرتهم على تولید استجابات عاطفیه صعوبات فی اتخاذ بعض القرارات الیومیه. وتشیر نتائج هذه الأبحاث إلى أن العواطف والحدس یمکن أن یؤدیا دورًا مهمًا فی عملیه اتخاذ القرار.
یرى علماء النفس المعرفی أن الحدس قد یکون نتیجه لمعالجه الدماغ للمعلومات من دون وعی مباشر. فالدماغ یجمع باستمرار معلومات من البیئه المحیطه ویحللها، حتى عندما لا نکون مدرکین لهذه العملیه.
وقد تظهر بعض المعلومات المخزنه فی الذاکره غیر الواعیه بصوره مفاجئه على شکل شعور أو إدراک حدسی.
ویقدم غاری کلاین، أحد الباحثین البارزین فی مجال اتخاذ القرارات الحدسیه، فی کتابه «مصادر القوه» أمثله عدیده لرجال إطفاء وأطباء وقاده عسکریین تمکنوا من اتخاذ قرارات صحیحه فی مواقف حرجه، رغم أنهم لم یستطیعوا تحدید السبب الدقیق الذی دفعهم إلى اتخاذ تلک القرارات.
تُعد القدره على التعرف على الأنماط من أقوى التفسیرات العلمیه للحدس. فالدماغ البشری یمتلک قدره کبیره على اکتشاف العلاقات والأنماط المتکرره.
وعندما نمر بمواقف متشابهه مرارًا، یبدأ الدماغ فی التعرف على العناصر المشترکه بینها، ثم یستخدم هذه الأنماط السابقه لإجراء توقعات عند مواجهه موقف جدید.
فعلى سبیل المثال، قد یتمکن طبیب متمرس من النظر إلى مریض وتکوین تشخیص دقیق مبدئیًا قبل إجراء سلسله طویله من الفحوصات. وما یُسمى أحیانًا بـ«الحاسه السادسه الطبیه» قد یکون فی الواقع نتیجه سنوات من الخبره والقدره على التعرف بسرعه على الأنماط السریریه التی خزّنها الدماغ بصوره غیر واعیه.
رغم وجود أدله علمیه تشیر إلى أن الحدس یمکن أن یکون مفیدًا فی ظروف معینه، فإنه لیس صحیحًا دائمًا. بل تشیر الأبحاث إلى أن الحدس قد یقود أحیانًا إلى أحکام مضلله.
الدماغ البشری عرضه للعدید من التحیزات المعرفیه التی یمکن أن تؤثر فی الأحکام الحدسیه، ومن أبرزها:
تحیز التأکید: المیل إلى البحث عن المعلومات التی تؤید معتقداتنا وأفکارنا الموجوده مسبقًا.
تحیز التوافر: المیل إلى إصدار الأحکام اعتمادًا على المعلومات التی یسهل تذکرها أو التی تحضر إلى الذهن بسرعه.
تحیز الإدراک بعد وقوع الحدث: المیل إلى الاعتقاد بعد وقوع حدث ما بأنه کان متوقعًا أو واضحًا أکثر مما کان علیه فی الواقع.
قد یکون تشوه الذاکره أحد الأسباب التی تجعلنا نعتقد أن حدسنا أکثر دقه مما هو علیه بالفعل.
فغالبًا ما نتذکر المرات التی أصاب فیها حدسنا، بینما نتجاهل أو ننسى المرات التی أخطأنا فیها. وقد یؤدی هذا النمط، المرتبط أحیانًا بتحیز النجاه، إلى اعتقادنا بأن الحاسه السادسه أکثر دقه بکثیر من حقیقتها.
یمکن للمشاعر والتوتر والإرهاق والظروف المحیطه أن تؤثر فی دقه الأحکام الحدسیه.
وتشیر الأبحاث إلى أن الإنسان قد یعتمد بدرجه أکبر على الحدس فی ظروف الضغط النفسی، إلا أن هذه الأحکام قد تکون أقل موثوقیه فی بعض الحالات.
تشیر الأبحاث العلمیه إلى وجود بعض الظروف التی یکون فیها الحدس أکثر قابلیه للاعتماد علیه.

فی المجالات التی یمتلک فیها الشخص قدرًا کافیًا من المعرفه والخبره، یکون الحدس عاده أکثر موثوقیه.
فلاعب الشطرنج المحترف، والجراح الماهر، والسائق المتمرس، یمکن لکل منهم الاستفاده من الحدس بصوره فعاله ضمن مجال خبرته.
عندما یکون الوقت محدودًا ویصبح اتخاذ قرار سریع أمرًا ضروریًا، قد یکون الاعتماد على الحدس مفیدًا.
ففی حالات الطوارئ، قد یستغرق التحلیل المنطقی التفصیلی وقتًا طویلًا، بینما یمکن للحدس أن یوفر توجیهًا أسرع لاتخاذ القرار.
عندما تکون المعلومات المتاحه غیر مکتمله، ویصبح من الصعب إجراء تحلیل منطقی شامل، یمکن استخدام الحدس کأداه مساعده إلى جانب المعلومات المتوفره.
رغم أن للحدس ربما جانبًا فطریًا، فإنه یمکن أیضًا تطویره وتحسینه من خلال الممارسه والخبره.
کلما اکتسب الإنسان خبره أکبر فی مجال معین، زادت احتمالیه أن یصبح حدسه أکثر دقه داخل ذلک المجال.
ویرجع ذلک جزئیًا إلى أن تکرار التجارب یساعد الدماغ على تخزین المزید من الأنماط والتعرف علیها بصوره غیر واعیه.
یمکن لممارسات الیقظه الذهنیه والتأمل أن تساعد الإنسان على الانتباه بصوره أکبر إلى مشاعره الداخلیه، وأن یصبح أکثر قدره على ملاحظتها وفهمها.
یمکنک تسجیل توقعاتک الحدسیه ثم العوده إلیها لاحقًا ومقارنه توقعاتک بالنتائج الفعلیه.
وتساعد هذه الطریقه على اکتشاف الأنماط فی حدسک وتقییم مدى دقته بصوره أکثر موضوعیه، بدلًا من الاعتماد على الذاکره وحدها.
لا یعنی الاعتماد على الحدس التخلی عن التفکیر المنطقی. فالأفضل هو تحقیق توازن بین الاثنین.
یمکن استخدام الحدس کأداه مساعده فی اتخاذ القرار، لکن عندما یکون ذلک ممکنًا، ینبغی التحقق من الانطباعات الحدسیه من خلال التحلیل العقلانی والأدله والمعلومات المتاحه.
وبذلک، قد لا تکون «الحاسه السادسه» قدره خارقه کما تُصور أحیانًا فی الثقافه الشعبیه، بل یمکن أن تکون فی کثیر من الحالات نتیجه معقده للطریقه التی یعالج بها الدماغ الخبرات والمعلومات والأنماط بصوره واعیه وغیر واعیه.