ساعدنیوز: بینما تؤکد العلوم الطبیه الحدیثه أکثر من أی وقت مضى على العلاقه المباشره بین العقل والجسم، فإن فهم طرق تفریغ الأحمال العاطفیه من أنسجه الجسم یُعدّ مفتاحًا للتغلب على الآلام المزمنه والوصول إلى توازن مستقر فی الصحه النفسیه.
وبحسب ساعدنیوز نقلاً عن مجله Psychology Today، فی عالمنا سریع الوتیره الیوم، نمیل غالبًا إلى الاعتقاد بأن الجروح العاطفیه والتجارب المؤلمه فی الماضی ستتلاشى مع مرور الوقت من تلقاء نفسها. لکن النتائج الحدیثه فی علم النفس وعلوم الأعصاب کشفت حقیقه مختلفه ومفاجئه أحیانًا: الجسد لا ینسى أبدًا. فالمعاناه العاطفیه التی تتشکل فی المراحل المبکره من الحیاه غالبًا ما تترسّب داخل أنسجه الجسم.
یرى الدکتور بیسل فان دیر کولک، الطبیب النفسی البارز ومؤلف الکتاب الشهیر “الجسد یحتفظ بالذاکره” (2003)، أن الصدمات النفسیه غیر المعالجه داخل الجسد قد تؤدی إلى مشکلات نفسیه خطیره، وآلام جسدیه مزمنه، وحتى أمراض عضویه شدیده. ومع ذلک، توجد أدله علمیه واعده تشیر إلى أنه من خلال العوده إلى الجسد ومواجهه هذه الآلام بوعی، لا یمکن فقط إیقاف مسار التدهور الناتج عنها، بل یمکن أیضًا إعاده بناء مسار التعافی.
فی طریق الوصول إلى الرفاه والصحه النفسیه، نتعلم تدریجیًا ملاحظه تجاربنا الداخلیه الأکثر دقه. فی المراحل الأولى یکون إدراک الألم الجسدی سهلًا؛ فمثلًا جمیعنا نشعر بوضوح بألم کسر العظام. لکن مع تطور الوعی، ندرک أن تجاربنا لها طبقات خفیه. قد نلاحظ القلق فی وجود أشخاص معینین، أو فی مراحل أعمق نفهم مفاهیم دقیقه مثل المقاومه الداخلیه، والتعلق، ومحاولات السیطره المفرطه على الأمور.
إن ملاحظه هذه التجارب بدقه تتیح لنا تجاوزها، لکن للوصول إلى هذا المستوى من الهدوء یجب أولًا مواجهه “الضوضاء العالیه” داخلنا. وهذه الضوضاء غالبًا ما تکون آلامًا عاطفیه متراکمه تقف کجدار کبیر بیننا وبین السعاده.
التقدم نحو النمو النفسی یتطلب مواجهه جوانب من أنفسنا کنا نهرب منها طوال حیاتنا، مثل ذکریات الإساءه أو الإهمال فی الطفوله أو الأذى العاطفی. فی هذه العملیه یکون وجود معالج متخصص ضروریًا غالبًا، لکن إلى جانب العلاج توجد تمارین تساعد على تحریر هذه الآلام من الجسد.
تحذیر مهم: مواجهه الألم العاطفی مؤلمه. ووفقًا لدراسات شوبینر وبیتزولد (2010)، فإن التحرر من شعور ما یتطلب تجربته بشکل کامل. أی یجب أن تشعر بالحزن والغضب وخیبه الأمل والوحده داخل جسدک دون مقاومه أو تجنب. الألم الذی یبقى فینا هو الألم الذی لم یُعش بالکامل، ربما لأننا کنا صغارًا جدًا أو غیر قادرین على مواجهته حین حدث.
على الرغم من أن الکتابه والتعبیر اللفظی أدوات قویه لمعالجه المشاعر، فإن بعض العواطف تکون عمیقه جدًا داخل العضلات والجهاز العصبی بحیث تعجز الکلمات عن وصفها. هنا تأتی أهمیه تمارین التفریغ الجسدی.
خصص 20 دقیقه فی مکان هادئ وبعید عن الآخرین، وفکر فی جرح عاطفی بسیط أو صدمه قدیمه ما زلت تحملها، مثل غضب قدیم تجاه صدیق فی الطفوله، ثم اتبع الخطوات التالیه:
العوده إلى الجسد: ابدأ بشدّ عضلاتک. اقبض یدیک، ثم شدّ ذراعیک وساقیک، وفی النهایه عانق نفسک بإحکام مع شدّ کامل الجسم والتنفس بعمق.
استدعاء الذکرى: استحضر الموقف الذی سبب لک الألم. تخیله ورکّز على الإحساس الذی یخلقه فی جسدک.
فحص الجسد: راقب جسدک. ما الذی تشعر به؟ وخز، حراره، شد عضلی، ارتعاش، أو ضغط؟ سمِّ کل إحساس.
السماح بالتفریغ: اسمح لجسدک بالتعبیر. إذا احتجت إلى البکاء أو الصراخ فی وساده أو الضرب بشکل آمن، فلا تمنع نفسک. الجسد یحاول تحریر الطاقه العاطفیه المخزنه.
الرحمه والقبول: قدّر نفسک على شجاعتک فی مواجهه هذا الألم. أرسل لکل شعور صعب رساله قبول ومحبه.
الاستماع للحکمه الداخلیه: اهدأ وتساءل إن کان لهذه المشاعر رساله. ماذا تقول لو کان لها صوت؟
تخیّل التحرر: تخیّل أن المساحه التی کانت تشغلها هذه المشاعر أصبحت فارغه، وأن الألم یغادر جسدک کالدخان أو یتدفق کالماء العکر.
بعد التمرین قد تشعر برجفه عضلیه أو ارتعاش فی الجفون أو شد مؤقت. رغم أنها قد تبدو مقلقه، إلا أنها فی الحقیقه علامات إیجابیه على تفریغ الصدمه. فی العلاج الجسدی تُعدّ هذه الظواهر جزءًا طبیعیًا من عوده الجهاز العصبی إلى التوازن.
الحیوانات بعد التعرض للخطر تهزّ أجسادها غریزیًا لتفریغ التوتر. والإنسان أیضًا یعید عبر هذه التمارین الاتصال بهذه الآلیه الطبیعیه للعوده إلى الهدوء. ومع التکرار، قد تشعر بخفه أکبر وقدره أفضل على التعامل مع تحدیات الحیاه الیومیه.