ساعدنیوز: خلافًا للصوره النمطیه الشائعه التی تُظهر الرجال أکثر صلابه فی مواجهه الفشل العاطفی، تقول الأبحاث الجدیده إن العدید من الرجال یختبرون ألمًا عمیقًا وطویل الأمد بعد انتهاء العلاقه؛ ألمًا غالبًا ما یُخفى خلف الصمت أو العزله أو السلوکیات التی تبدو طبیعیه ظاهریًا.
بحسب ساعدنیوز نقلًا عن یور تانگو، فإن نهایه العلاقه العاطفیه تُعد تجربه مؤلمه ومُرهِقه للعدید من الأشخاص. لکن طریقه تعامل النساء والرجال مع هذا الألم تختلف عاده بشکل ملحوظ. تُظهر دراسه من جامعه بینغهامتون فی الولایات المتحده أُجریت على أکثر من خمسه آلاف شخص أن النساء عاده یختبرن ألمًا عاطفیًا أشد فور الانفصال، لکن الرجال یحتاجون وقتًا أطول على المدى البعید للتعافی، وتبقى آثار الفشل العاطفی فی حیاتهم لفتره أطول.
یشرح أحد الباحثین فی هذه الدراسه أن الرجال غالبًا ما یبدأون تدریجیًا فی إدراک عمق الخساره بعد انتهاء العلاقه؛ شعور قد یترافق مع فکره أنهم یجب أن یدخلوا مجددًا فی منافسه عاطفیه من البدایه، أو الأسوأ من ذلک أن یصلوا إلى نتیجه أن الشخص الذی فقدوه لا یمکن تعویضه.
ومع ذلک، فإن المشکله لیست فقط فی الانفصال العاطفی نفسه، بل فی طریقه تعامل العدید من الرجال مع هذا الألم. وفقًا لخبراء الأسره والمعالجین النفسیین، فإن العدید من الرجال یتعلمون منذ الطفوله إخفاء مشاعرهم والتحدث بشکل أقل عن المعاناه العاطفیه. ونتیجه لذلک، بدلًا من المواجهه المباشره للحزن والحداد العاطفی، یلجؤون إلى سلوکیات تبدو طبیعیه لکنها فی الواقع علامات على انکسار عاطفی خفی.
أحد السلوکیات الشائعه بین الرجال الذین یعانون بصمت من الانفصال العاطفی هو النوم المفرط. کثیر منهم یفضلون بشکل غیر واعٍ قضاء وقت أطول فی النوم، لأن النوم هو اللحظه الوحیده التی یبتعد فیها الذهن مؤقتًا عن الألم.
یقول علماء النفس إن هذا السلوک نوع من “الانسحاب النفسی”، یشبه حیوانًا ینسحب إلى جحره عند التعرض للأذى أو التهدید. قد ینام الشخص المنکسر لساعات طویله، أو یتأخر فی النهوض من السریر، أو یشعر بالتعب المستمر، بینما الجذر الحقیقی لهذه الحاله لیس جسدیًا بل عاطفیًا.
وبالطبع، قد یساعد النوم المؤقت على تهدئه الذهن، لکن عندما یتحول إلى آلیه هروب فإنه لا یحل المشکله. الألم العاطفی لا یختفی بتجاهله، بل یعود للظهور مره أخرى فی النهایه.
سلوک آخر یُلاحظ لدى بعض الرجال المنکسرین عاطفیًا هو الغرق فی ألعاب الفیدیو أو العوالم الافتراضیه. بالنسبه لکثیر منهم، اللعب لیس مجرد ترفیه، بل مساحه آمنه وقابله للسیطره.
فی العالم الحقیقی، العلاقه المفقوده لا یمکن استعادتها، والمشاعر معقده وغیر قابله للتنبؤ. لکن فی اللعبه، کل شیء له قواعد. إذا خسرت، یمکنک البدء من جدید من النقطه السابقه. هذا الإحساس بالتحکم یمنح راحه للشخص الذی یشعر بفقدان وعدم استقرار فی حیاته الواقعیه.
یقول الخبراء إن المشکله الأساسیه لیست فی الألعاب نفسها، بل فی استخدامها کوسیله للهروب الکامل من الواقع. الرجل الذی یقضی ساعات طویله فی الألعاب قد یکون فی الحقیقه یحاول تشتیت ذهنه عن التفکیر فی الانفصال.
حتى نوع اللعبه لیس حاسمًا بشکل کبیر. سواء کانت ألعابًا تنافسیه وعنیفه أو ألعابًا أبسط، فهی فی النهایه تشترک فی وظیفه واحده: خلق عالم یبدو أکثر قابلیه للتنبؤ والسیطره من الحیاه الواقعیه.
رد فعل شائع آخر هو محاوله الدخول بسرعه فی علاقه جدیده؛ وهو سلوک یسمیه العدید من المعالجین النفسیین “العلاقه التعویضیه”. کثیر من الرجال یتعلمون منذ الطفوله أنهم یجب أن “یحلوا” المشاکل وأن یتقدموا دائمًا للأمام. لذلک عند انتهاء علاقه، یرسل العقل رساله مفادها: “یجب أن تبدأ من جدید بسرعه.”
ظاهریًا، قد تقلل العلاقات الجدیده أو الاهتمام من شخص جدید من ألم الانفصال، لکن هذا الشعور غالبًا ما یکون مؤقتًا. الجرح العاطفی لم یلتئم بعد، والعلاقه الجدیده قد تکون مجرد غطاء للألم القدیم.
یحذر علماء النفس من أنه عندما یدخل الشخص فی علاقه جدیده بسرعه کبیره، قد ینقل بشکل غیر واعٍ مشاعره غیر المحلوله إلى العلاقه الجدیده. فی هذه الحاله، یصبح الطرف الجدید عملیًا بدیلاً عن الشریک السابق، وأی سلوک أو خلاف بسیط قد یؤدی إلى ردود فعل قویه وغیر منطقیه.
یوضح أحد المعالجین الأسریین أن العلاقات التعویضیه قد تشتت الانتباه على المدى القصیر، لکن فی النهایه سیضطر الشخص لمواجهه تلک المشاعر غیر المحلوله؛ مشاعر تم تأجیلها فقط.
ربما یکون أکثر ردود الفعل شیوعًا وفی الوقت نفسه أکثرها إثاره للقلق لدى الرجال بعد الانفصال هو الصمت والعزله. العدید من الرجال یقللون تدریجیًا من تواصلهم مع الآخرین بعد الانفصال. الخروج واللقاء بالأصدقاء أو التحدث عن المشاعر یُستبدل بالوحده والانطواء.
یقول الخبراء إن أحد أسباب ذلک هو اختلاف بنیه الصداقات بین النساء والرجال. فی کثیر من الحالات، تقوم صداقات الرجال على الأنشطه المشترکه مثل الریاضه أو العمل أو الترفیه. لکن المحادثات العاطفیه العمیقه تحدث بشکل أقل فی هذه العلاقات.
فی المقابل، تمتلک النساء عاده شبکه دعم عاطفی أقوى ویتحدثن أکثر عن الإخفاقات العاطفیه. وهذا یؤدی إلى اختلاف فی عملیه الحداد والتعافی لدیهن.
عندما یصمت الرجل بعد الانفصال، فإنه لا یواجه فقط ألم العلاقه المفقوده، بل یختبر تدریجیًا شعورًا أعمق بالوحده. یمکن أن یؤثر هذا العزله على صحته النفسیه وثقته بنفسه وحتى صحته الجسدیه.
یشدد علماء النفس على أن الوحده لدى الرجال غالبًا ما یتم تجاهلها أو إخفاؤها، لأن الکثیر منهم یشعرون أنهم لا یجب أن یظهروا ضعفهم. لکن هذا الإخفاء یطیل عملیه التعافی.
جزء مهم من المشکله یعود إلى الاعتقاد القدیم بأن الرجل یجب أن یکون “قویًا” ولا یُظهر مشاعره. یعتقد الکثیر من الرجال أنه إذا خفضوا رؤوسهم ومر الوقت، فإن الألم سیختفی تلقائیًا. لکن الخبراء یقولون إن تجاهل المشاعر لا یعنی علاجها.
فی الواقع، الرجال الذین لا یسمحون لأنفسهم بالتحدث عن ألمهم أو طلب المساعده من الآخرین یحتاجون عاده وقتًا أطول للتعافی من الفشل العاطفی.
ینصح الخبراء بأنه إذا لاحظت أن رجلًا من حولک أصبح منعزلًا أو فاقدًا للدافعیه أو تغیّر سلوکه بعد الانفصال، شجّعه على التحدث مع أصدقائه، والخروج من المنزل، وعدم إخفاء مشاعره. طلب المساعده والتحدث عن الألم العاطفی لیس ضعفًا؛ بل هو جزء ضروری من عملیه التعافی النفسی.
فی النهایه، کسر القلب تجربه إنسانیه؛ لا فرق بین أن تکون امرأه أو رجلًا. لکن ربما الأهم هو ألا یعتقد أی شخص أنه مضطر لتحمل هذا الألم وحده.