ساعدنیوز: لم یعد أطفال جیل ألفا یکتفون بمشاهده البرامج المخصصه لأعمارهم، بل یتجه کثیر منهم إلى منصات تعرض محتوى موجّه للکبار أو غیر خاضع للرقابه التقلیدیه. ویحذر خبراء من أن هذا التحول قد یترک آثارًا عمیقه على الهویه والسلوک والصحه النفسیه للأجیال الجدیده.
وفقا لساعدنیوز یشهد العالم تحولًا غیر مسبوق فی عادات المشاهده لدى الأطفال والمراهقین، إذ لم تعد القنوات التلفزیونیه التقلیدیه، التی شکلت جزءًا أساسیًا من طفوله أجیال سابقه، تحتل المکانه نفسها فی حیاه جیل ألفا. وبدلًا من متابعه البرامج المصممه خصیصًا لهم، یتجه کثیر من الأطفال الیوم إلى منصات البث الرقمی ومقاطع الفیدیو القصیره والبثوث المباشره التی تقدم محتوى أکثر تنوعًا، وأحیانًا أکثر جرأه.
هذا التغیر لا یتعلق فقط باختلاف وسائل الترفیه، بل یعکس تحولًا أوسع فی طریقه نشأه الأطفال وتفاعلهم مع العالم الرقمی. فمع الانتشار الواسع للهواتف الذکیه والأجهزه اللوحیه، أصبح الوصول إلى أی نوع من المحتوى أسهل من أی وقت مضى، وهو ما دفع المختصین إلى التساؤل حول تأثیر هذه البیئه الجدیده على النمو النفسی والاجتماعی للأطفال.

ویرى خبراء فی الصحه النفسیه أن الأطفال لم یعودوا مجرد متلقین للمحتوى، بل أصبحوا جزءًا من عالم رقمی یقوم على المقارنه المستمره والتفاعل الفوری والسعی للحصول على الاهتمام عبر المشاهدات والإعجابات والتعلیقات. وفی ظل هذه البیئه، قد یشعر کثیر منهم برغبه فی تقلید المؤثرین أو تبنی أنماط حیاه لا تناسب أعمارهم.
وتشیر المختصه فی علاج القلق دیبرا کیسن إلى أن رغبه الأطفال فی مشاهده محتوى موجه لمن هم أکبر سنًا لیست جدیده، لکن الفارق الیوم یکمن فی سهوله الوصول إلیه. ففی الماضی کان الوصول إلى هذا النوع من المحتوى أکثر صعوبه، أما الیوم فلا یحتاج الأمر سوى إلى بضع نقرات، ما یجعل دور الأسره فی التوجیه والحوار أکثر أهمیه من أی وقت مضى.
وخلال العقدین الماضیین، کانت هناک مساحه إعلامیه واضحه تستهدف الأطفال فی مرحله ما قبل المراهقه، وقدمت شخصیات وبرامج شکلت جزءًا من ذاکره جیل کامل. أما الیوم، فقد تقلص هذا النوع من المحتوى بشکل ملحوظ، بینما أصبحت المنصات الرقمیه تنافس بقوه عبر فیدیوهات قصیره وسریعه الإیقاع یصنعها أفراد من مختلف الأعمار، بعیدًا عن النماذج التقلیدیه للإنتاج التلفزیونی.
وفی الوقت نفسه، تتغیر طبیعه المحتوى الذی یتابعه الأطفال. فالکثیر منهم یشاهدون أعمالًا تتناول موضوعات أکثر نضجًا، أو یتابعون بثوثًا مباشره لا تخضع دائمًا لتصنیف عمری واضح، وهو ما یزید من احتمالیه تعرضهم للغه أو سلوکیات أو أفکار قد لا تکون مناسبه لمرحلتهم العمریه.
وتوضح خبیره التسویق الرقمی ماریا دیکسترا أن ما یحدث الیوم هو نتیجه تداخل عده عوامل، من بینها تغیر اهتمامات الجمهور، وانتقال الشرکات الإعلامیه إلى المنصات الرقمیه، وتطور الخوارزمیات التی تقدم للمستخدم محتوى یتوافق مع اهتماماته، بغض النظر عن عمره.
وتدعم الإحصاءات هذا التحول. فقد أظهرت دراسه أجرتها شرکه Precise TV عام 2025 أن 78% من الأطفال البریطانیین الذین تتراوح أعمارهم بین 10 و12 عامًا یفضلون یوتیوب على التلفزیون التقلیدی. کما کشفت بیانات صادره عن مؤسسه Common Sense Media أن 51% من الأطفال بین الولاده و8 سنوات یمتلکون جهازًا شخصیًا، سواء کان هاتفًا ذکیًا أو جهازًا لوحیًا، بینما بلغت نسبه امتلاک الأجهزه اللوحیه وحدها 47% ضمن هذه الفئه العمریه.
ویرى مختصون أن المشکله لا تکمن فی التکنولوجیا نفسها، بل فی الطریقه التی تعمل بها الخوارزمیات. فمع مرور الوقت، قد تبدأ المنصات فی اقتراح محتوى أکثر إثاره أو جرأه للحفاظ على انتباه المستخدم، وهو ما قد یؤدی إلى تعرض الأطفال تدریجیًا لموضوعات لا تتناسب مع نموهم النفسی أو الفکری.
کما یلفت الخبراء الانتباه إلى اختفاء ما یُعرف بـ"المساحات الثالثه" التی کانت تجمع المراهقین خارج المنزل والمدرسه، مثل النوادی والمراکز الشبابیه أو حتى مراکز التسوق، لتحل محلها بیئات اجتماعیه رقمیه یصعب على أولیاء الأمور مراقبتها أو فهم طبیعه ما یجری داخلها.
ویحذر الطبیب النفسی غرانت برینر من أن جیل ألفا یعیش ما یشبه "تجربه اجتماعیه واسعه" مع التکنولوجیا، حیث ینشأ کثیر من الأطفال وهم یعتمدون على الشاشات فی الترفیه والتواصل وحتى تنظیم مشاعرهم، وهو ما قد ینعکس على مهاراتهم الاجتماعیه، وقدرتهم على بناء العلاقات، ومستویات القلق لدیهم مع مرور الوقت.
ومع ذلک، لا یرى الخبراء أن الحل یکمن فی منع الأطفال من استخدام التکنولوجیا، بل فی تعلیمهم کیفیه التعامل معها بوعی، وتشجیعهم على التفکیر النقدی، وتحقیق توازن بین الحیاه الرقمیه والأنشطه الواقعیه، مع وجود دور فعال للأسره فی المتابعه والحوار.
ویبقى السؤال الذی یفرض نفسه الیوم: هل سیشهد المستقبل عوده محتوى شبابی مخصص یلبی احتیاجات هذا الجیل، أم أن الخوارزمیات والمؤثرین سیواصلون رسم ملامح طفوله مختلفه تمامًا عن تلک التی عرفتها الأجیال السابقه؟ الإجابه لم تتضح بعد، لکن المؤکد أن الطریقه التی یستهلک بها جیل ألفا المحتوى ستؤثر فی شکل الإعلام والمجتمع لسنوات طویله قادمه.