ساعدنیوز: لم تعد وسائل التواصل الاجتماعی مجرد وسیله للتواصل، بل أصبحت تؤثر فی طریقه رؤیتنا لأنفسنا وللآخرین. وتحذر خبیره فی علم النفس من أن المقارنه المستمره والسعی وراء الإعجابات قد یترکان آثارًا عمیقه على الهویه والثقه بالنفس، خاصه لدى المراهقین.
وفقا لساعدنیوز أصبحت وسائل التواصل الاجتماعی جزءًا لا یتجزأ من الحیاه الیومیه لملایین الأشخاص، إلا أن تأثیرها لم یعد یقتصر على تبادل الصور والأخبار أو التواصل مع الأصدقاء، بل امتد لیصل إلى أعماق النفس الإنسانیه، مؤثرًا فی الهویه، وتقدیر الذات، والصوره التی یحملها الإنسان عن نفسه.
وتوضح الأخصائیه النفسیه سهیله کریمی أن المستخدمین الیوم لا یکتفون باستهلاک المحتوى، بل یعیشون عملیه مستمره من المراقبه والمقارنه وإعاده تشکیل صورتهم الشخصیه. فکل صوره تُنشر، وکل تعلیق یُکتب، وکل إعجاب یُسجل، قد یترک أثرًا نفسیًا یتجاوز ما یبدو على الشاشه.
وبحسب کریمی، فإن الاستخدام المتزاید لهذه المنصات یعزز ظاهرتین نفسیتین بارزتین؛ الأولى هی المقارنه المستمره مع الآخرین، والثانیه هی ما یُعرف بـ"الخوف من فوات الفرصه" أو الشعور بأن الآخرین یعیشون تجارب أفضل وأکثر إثاره. وهاتان الظاهرتان تدفعان کثیرًا من الأشخاص إلى محاوله إظهار نسخه مثالیه من حیاتهم، حتى وإن کانت بعیده عن الواقع.

ولا تتشابه جمیع المنصات فی تأثیرها. فطبیعه المحتوى وآلیه التفاعل تختلف من منصه إلى أخرى، ولذلک یختلف أیضًا الأثر النفسی الناتج عنها. فالمنصات التی تعتمد بشکل کبیر على الصور ومقاطع الفیدیو قد تعزز المقارنه المتعلقه بالمظهر أو أسلوب الحیاه، بینما تؤثر المنصات الأخرى بطرق مختلفه على أنماط التواصل والتفاعل الاجتماعی.
وتلفت کریمی إلى أن الفئه الأکثر حساسیه لهذه التأثیرات هی فئه المراهقین، إذ ما تزال شخصیاتهم وهویتهم فی طور التکوین. ففی هذه المرحله العمریه، یمکن لتعلیق إیجابی أو عدد کبیر من الإعجابات أن یمنح الشاب أو الشابه شعورًا کبیرًا بالثقه، بینما قد یؤدی تجاهل المنشور أو تلقی تعلیقات سلبیه إلى انخفاض واضح فی تقدیر الذات والشعور بالإحباط.
ولا یقتصر التأثیر على الجانب العاطفی فقط، بل یمتد أیضًا إلى نظره الإنسان لجسده. فالتعرض المستمر لصور معدله ومثالیه قد یدفع البعض إلى مقارنه مظهرهم بما یشاهدونه على الشاشه، رغم أن کثیرًا من تلک الصور خضع للتعدیل أو لا یعکس الواقع الحقیقی.
وتوضح الأخصائیه أن هذه الحاله قد تقود إلى ما یُعرف بـ"التشییء الذاتی"، وهی ظاهره یبدأ فیها الشخص بالنظر إلى جسده کما یعتقد أن الآخرین یرونه، بدلًا من تقبله کما هو. وقد یؤدی ذلک إلى انخفاض الرضا عن المظهر، أو الشعور بالخجل من الجسد، وفی بعض الحالات قد یرتبط باضطرابات فی الأکل أو سلوکیات غیر صحیه مرتبطه بالصوره الذاتیه.
وفی المقابل، تشیر کریمی إلى أن تنمیه مفهوم "التعاطف مع الذات" أو معامله النفس بلطف وتفهم یمکن أن یخفف من هذه الآثار، ویساعد الأفراد على بناء علاقه أکثر توازنًا مع أنفسهم بعیدًا عن ضغوط المقارنه المستمره.
کما تؤکد أن القضیه لا تتعلق بعدد الساعات التی یقضیها الشخص على الإنترنت فحسب، بل بطریقه استخدامه لهذه المنصات. فالأشخاص الذین یتفاعلون بصوره طبیعیه ویستخدمون وسائل التواصل للتعلم أو التواصل الحقیقی غالبًا ما یحتفظون بصوره أوضح عن هویتهم، بینما قد یواجه من یقضون وقتهم فی مقارنه أنفسهم بالآخرین حاله من الارتباک وفقدان الوضوح بشأن ذواتهم.
وتشرح کریمی أن التأثیر النفسی لوسائل التواصل یعمل على عده مستویات متداخله. ففی البدایه تظهر المقارنه مع الآخرین والخوف من فوات الأحداث، ثم یتأثر تقدیر الذات وفقًا للتفاعل الذی یتلقاه المستخدم، وبعد ذلک تتغیر صوره الجسد، وصولًا إلى أعمق مستوى، حیث تبدأ الهویه الشخصیه ومفهوم الإنسان عن نفسه فی التشکل من جدید.
وفی العصر الرقمی، أصبح الإنسان یعیش بین ثلاث صور مختلفه فی الوقت نفسه: شخصیته الحقیقیه، والصوره التی یختار عرضها للآخرین، والصوره التی یتخیل أن الآخرین یرونها فیه. وعندما تتباعد هذه الصور عن بعضها، قد یشعر الفرد بالتوتر أو عدم الرضا أو حتى الحیره بشأن هویته.
ومع استمرار التطور الرقمی واتساع حضور وسائل التواصل فی مختلف جوانب الحیاه، تبرز الحاجه إلى استخدام أکثر وعیًا لهذه المنصات، یقوم على تحقیق التوازن، والابتعاد عن المقارنات غیر الواقعیه، وتعزیز الثقه بالنفس. فالسؤال الذی یستحق التأمل الیوم لیس: کم ساعه نقضیها على وسائل التواصل؟ بل: کیف تؤثر هذه الساعات فی الطریقه التی نرى بها أنفسنا والعالم من حولنا؟