ساعدنیوز: مع توسّع استخدام روبوتات الدردشه المعتمده على الذکاء الاصطناعی واعتیاد المستخدمین على الحصول على إجابات فوریه، یحذّر الباحثون من أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات قد یضعف تدریجیًا قدره الإنسان على البحث والتحلیل والتفکیر النقدی.
بحسب ساعدنیوز نقلًا عن «دیجیتال ترندز»، أصبح الذکاء الاصطناعی سریعًا جدًا فی تقدیم الإجابات لدرجه أن العدید من المستخدمین لم یعودوا یبذلون جهدًا حقیقیًا فی البحث. یکفی إدخال سؤال حتى تظهر خلال ثوانٍ إجابه کامله ومنظمه وتبدو موثوقه. لکن خلف هذه السهوله المریحه، یظهر قلق جدید: إذا کانت الآلات تقوم بکل عملیه التفکیر، فما الذی سیحدث لعقل الإنسان؟
وقد حذّر مرصد غرینتش الملکی، وهو أحد أقدم المؤسسات العلمیه فی بریطانیا، مؤخرًا من الآثار الثقافیه والمعرفیه لتوسع استخدام روبوتات الذکاء الاصطناعی. ویرى خبراء المؤسسه أن الإجابات الفوریه الجاهزه التی یقدمها الذکاء الاصطناعی قد تضعف الفضول والدقه ومهارات التحقق من المصادر لدى المستخدمین، وهی مهارات أساسیه لتشکّل المعرفه الحقیقیه.
وبحسب هؤلاء الباحثین، تکمن المشکله الأساسیه فی ما یجعل الذکاء الاصطناعی جذابًا: «السهوله». إذ یمکن لروبوتات الدردشه تسریع عملیه البحث، وتقدیم أفکار جدیده، ومساعده المستخدمین فی تلخیص المعلومات، لکن عندما یتم الحصول على الإجابه النهائیه دون المرور بعملیه البحث والتحلیل، یتم حذف جزء من عملیه التعلم.
یؤکد العلماء أن الإنسان لا یصبح أکثر ذکاءً بمجرد تلقی المعلومات؛ بل إن عملیه مواجهه الأسئله، ومقارنه المصادر، والشک، واختبار الأفکار هی التی تشکّل الحکم والتفکیر. وإذا تم حذف هذه المرحله، فقد تدخل المعلومات إلى العقل، لکنها لا تتحول بالضروره إلى «فهم».
ویرى بادی روجرز، مدیر المتاحف الملکیه فی غرینتش، أن تاریخ العلم نفسه هو أفضل مثال على أهمیه البحث العمیق الذی یستغرق وقتًا طویلًا. ویشیر إلى أن العدید من الاکتشافات العلمیه جاءت من بیانات کان یبدو أنها بلا فائده وقت جمعها.
فعلى سبیل المثال، أمضى الفلکیون الأوائل قرونًا فی تسجیل مواقع النجوم والأجرام السماویه بدقه دون أن یعرفوا کیف ستستفید الأجیال القادمه من تلک البیانات. وبحسب الباحثین، فإن نظام ذکاء اصطناعی یرکز فقط على «الکفاءه» و«النتائج الفوریه» قد لا یسلک مثل هذه المسارات التی تبدو غیر مفیده لکنها مهمه تاریخیًا.
وفی السیاق نفسه، أثارت تصریحات سام ألتمان، الرئیس التنفیذی لشرکه OpenAI، هذه المخاوف. إذ قال سابقًا إن الذکاء الاصطناعی قد یصبح فی المستقبل خدمه شبیهه بالکهرباء أو الماء، یدفع المستخدمون مقابلها حسب کمیه «الذکاء» المستهلک.
وینتقد البعض هذا التصور، معتبرین أنه إذا أصبح التفکیر خدمه جاهزه وقابله للشراء، فقد یقل تدریجیًا تدریب الإنسان على مهارات الاستدلال والتحلیل المستقل. وفی مثل هذا الوضع، قد تُقبل الإجابات المصقوله والواثقه من الذکاء الاصطناعی کحقیقه دون التحقق منها، فی حین لا یعرف المستخدمون ما المعلومات التی تم حذفها أو تجاهلها أو إساءه فهمها.
لکن الخبراء لا یعارضون استخدام الذکاء الاصطناعی، بل یؤکدون ضروره تغییر طریقه استخدامه. ویقترحون أن یستخدمه الناس لیس لتلقی الإجابات فقط، بل لتحدی أفکارهم، مثل طلب تحدید نقاط الضعف فی الحجه أو تقدیم أدله معاکسه.
ویرى الباحثون أن الذکاء الاصطناعی یکون مفیدًا عندما یوسّع «نطاق البحث» بدل أن یکون نهایه للتفکیر البشری. وفی النهایه، یجب أن یبقى أهم جزء من عملیه المعرفه، أی الحکم النهائی، فی ید الإنسان.