ساعدنیوز: الإنسان کائن غریب. فنحن لا نملک درعًا واقیًا ولا فراءً کثیفًا، کما أننا نمشی على قدمین بطریقه غیر مستقره نسبیًا. وعلى الرغم من هذه الهشاشه الظاهریه، وعلى الرغم من أننا لا نبدو نوعًا “مثالیًا” من الناحیه التطوریه، فقد تمکنا من الهیمنه على کوکب الأرض.
وفقًا لساعدنیوز، یرتبط جزء کبیر من هذا النجاح بقدرتنا الذهنیه الاستثنائیه. یمتلک الإنسان دماغًا کبیرًا جدًا، وقد مکّننا هذا الدماغ من ابتکار عدد لا یحصى من الأدوات والحلول لمشکلاتنا. ومجموعه هذه الإنجازات هی ما نسمیه الحضاره: من الزراعه والبناء إلى الأسلحه والکهرباء والسباکه والطب.
لکن هذا الدماغ الکبیر له تکلفه عالیه. یحتاج الإنسان إلى وقت طویل جدًا للوصول إلى النضج. هذه الفتره الطویله من النمو تسمح للدماغ بالوصول إلى أقصى حجمه وکفاءته. یستمر دماغ الإنسان فی النمو خلال الطفوله وحتى بدایات البلوغ، وخلال هذه الفتره نتعلم المهارات التی جعلتنا أنجح نوع حیوانی على الأرض.
یُقضى ما یقارب ربع حیاه الإنسان أو أکثر فی مرحله النمو والنضج. ووفقًا للمعاییر المختلفه، یستمر اکتمال نمو الدماغ حتى أوائل أو منتصف العشرینات، وأحیانًا حتى أوائل الثلاثینات. کما یصل الجسم أیضًا إلى النضج الکامل بعد الدماغ بقلیل.
هذه العملیه مکلفه جدًا من ناحیه الطاقه. ففی السنوات الأولى من الحیاه، یحتاج الإنسان إلى کمیات کبیره من الغذاء والرعایه والحمایه. یحتاج الرضع والأطفال الصغار وحتى المراهقون إلى رعایه أکبر بکثیر مقارنه بالعدید من الحیوانات فی العمر نفسه.
معظم الحیوانات تصبح مستقله بعد أسابیع أو أشهر قلیله، إن حصلت أصلًا على رعایه أبویه. وبعضها قد یبقى تحت إشراف الوالدین لمده سنه أو سنتین. وحتى أقرب أقربائنا، الشمبانزی، یصلون عاده إلى النضج الکامل فی سن نحو 15 عامًا.
تشکل الطفوله الطویله عند الإنسان وبنیته الاجتماعیه نوعًا من الحلقه المتبادله. لا یصبح الإنسان مکتفیًا ذاتیًا إلا بعد سنوات طویله من النمو. کما أن رعایه الصغار الضعفاء تتطلب نظامًا اجتماعیًا مستقرًا، وهو بدوره لا یکون ممکنًا إلا بفضل القدرات العقلیه الکبیره للدماغ البشری. وبعباره أخرى، فإن نمو دماغ کبیر یحتاج إلى جهد ودعم من بالغین یمتلکون بدورهم أدمغه کبیره وقادره.
استمرت هذه الحلقه بشکل متکرر عبر الزمن. لم یکن لدى البشر الأوائل الزراعه أو الطب الحدیث أو المستوطنات الدائمه، لکنهم امتلکوا روابط عائلیه قویه وبنى اجتماعیه تحمی الأطفال وتمهد لظهور الابتکارات اللاحقه.
کما تظهر أدله هذا النمو البطیء فی الأحافیر. إذ إن جمجمه تعود لمراهق یُرجح أنه من نوع الإنسان المنتصب (Homo erectus)، اکتُشفت فی جورجیا عام 2001 ویعود عمرها إلى نحو 1.8 ملیون سنه، تُظهر أن أسلافنا القدماء کانوا أیضًا بطیئی النمو نسبیًا. وتشیر خطوط النمو فی أسنان هذا المراهق، الذی توفی فی سن نحو 11 عامًا، إلى أن نموه کان مشابهًا للإنسان الحدیث حتى سن الخامسه تقریبًا، ثم تسارع بعد ذلک.
لم یُنشئ الإنسان المنتصب مجتمعات معقده مثل الإنسان الحدیث، لکن بوادر هذا المسار کانت موجوده. فقد کان یستخدم الأدوات وقادرًا على صید الحیوانات الکبیره، مما ساعده على توفیر الغذاء اللازم لدعم فتره النمو الطویله لصغاره.
باختصار، ینمو الإنسان ببطء لأنه یمتلک دماغًا کبیرًا ومعقدًا جدًا. وهذا الدماغ یحتاج إلى وقت طویل لیکتمل نموه، ولذلک فإن الطفوله والمراهقه عند الإنسان أطول بکثیر من معظم الحیوانات.