ساعدنیوز: قد یکون الفنانون القدماء فی جنوب الصین قد استخدموا مزیجًا استثنائیًا من الجیر والطین الأحمر والدم لإنشاء لوحاتهم الصخریه. ویُعتقد أن هذا الخلیط الممیز ساعد فی الحفاظ على هذه الأعمال الفنیه لأکثر من 2000 عام، مما مکّنها من الصمود أمام الأمطار الغزیره، والحراره الشدیده، والعواصف المتکرره.
طبقاً لموقع «ساعدنیوز»، کشفت دراسه علمیه جدیده حول الرسوم الصخریه الشهیره فی هواشان بمنطقه قوانغشی فی الصین عن مکوّن غیر متوقع یقف وراء قدرتها المذهله على البقاء محفوظه عبر آلاف السنین. فقد اکتشف الباحثون آثار بروتینات دم بشریه وحیوانیه داخل الطبقه الرابطه المجهریه التی تثبّت الأصباغ الحمراء على جدران المنحدرات الجیریه. ووفقاً للدراسه، ساعدت هذه البروتینات على تکوین رابطه معدنیه شدیده المتانه، ما أدى فعلیاً إلى اندماج الرسوم مع الصخر نفسه.
والأکثر إثاره للاهتمام أن العلماء تعرّفوا على بروتینات قد تشیر إلى أن بعض الدم البشری المستخدم جاء من نساء کنّ فی حاله ولاده أو أنجبن حدیثاً. ورغم أن هذا التفسیر ما زال افتراضیاً، یعتقد الباحثون أن هذا الدم ربما حمل دلاله رمزیه أو طقسیه مرتبطه بالخصوبه والأمومه.
وعلى الرغم من أن هذه الفرضیه لم تُثبت بشکل قاطع، فإن الأدله الکیمیائیه تقدم تفسیراً جدیداً لأحد أکثر الألغاز الأثریه استمراراً فی آسیا: کیف تمکنت هذه الرسوم من الصمود لأکثر من ألفی عام.

یقع المشهد الثقافی للفن الصخری فی هواشان وزووجیانغ فی منطقه قوانغشی ذاتیه الحکم لقومیه تشوانغ فی جنوب الصین. وتُنسب هذه الرسوم عموماً إلى شعب لویویه القدیم، وهی تصوّر أشکالاً بشریه وحیوانات وقوارب وأسلحه وأجراساً برونزیه وطبولاً برونزیه کبیره.
وتظهر العدید من الشخصیات البشریه وهی واقفه أو جاثیه بأذرع ممدوده، ما یشیر إلى مشارکتها فی طقوس احتفالیه مرتبطه بثقافه الطبول البرونزیه فی جنوب الصین.
وتقدّر منظمه الیونسکو أن هذه الرسوم الصخریه أُنشئت بین القرن الخامس قبل المیلاد والقرن الثانی المیلادی. کما أشارت تقدیرات سابقه باستخدام التأریخ بالکربون المشع إلى أن بعض الرسوم یعود عمرها إلى ما بین نحو 2370 و2115 عاماً.
ویحتوی جرف هواشان الرئیسی وحده على حوالی 1900 شکل واضح موزعه على مساحه تقارب 8000 متر مربع، مما یجعله واحداً من أکبر تجمعات الفن الصخری المنفرده فی العالم.
على مدى عقود، تساءل علماء الآثار وخبراء الحفاظ على التراث کیف تمکنت هذه الرسوم المکشوفه من مقاومه الظروف البیئیه القاسیه.
فقد رُسمت مباشره على جدران من الحجر الجیری، وأحیاناً على ارتفاع عشرات الأمتار فوق النهر، ومع ذلک بقیت آلاف السنین رغم الحراره شبه المداریه والرطوبه العالیه والأمطار الموسمیه والعواصف الاستوائیه.
وکانت المواد العضویه الرابطه التقلیدیه مثل صمغ النباتات أو الغراء الحیوانی تتحلل عاده بسرعه فی مثل هذه الظروف.
وقد اقترحت دراسه عام 2012 أن الفنانین استخدموا عصاره نباتیه تحتوی على حمض الأکسالیک، الذی یمکن أن یتفاعل مع الحجر الجیری لتکوین طبقه واقیه من أکسالات الکالسیوم. لکن البحث الجدید المنشور فی مجله «Journal of Archaeological Science» یقدم تفسیراً مختلفاً.
فبدلاً من مجرد خلط الصبغه الحمراء بماده رابطه، یبدو أن الفنانین صنعوا ملاطاً جیریاً متطوراً.

حلّل الباحثون شظایا انفصلت طبیعیاً من الجروف المرسومه، مما سمح لهم بدراسه عینات أصلیه دون إلحاق الضرر بالرسوم المتبقیه.
وکشف التحلیل عن وجود ثلاث طبقات ممیزه:
سطح الحجر الجیری.
طبقه رقیقه من الملاط الصناعی.
طبقه الصبغه الحمراء.
وکانت الصبغه نفسها مصنوعه من طین محلی غنی بجزیئات الهیماتیت المجهریه، حیث یبلغ حجم بعضها بضع مئات من النانومترات فقط. وقد منحت هذه الجزیئات الغنیه بالحدید الرسوم لونها الأحمر العمیق الممیز.
أما الطبقه الرابطه فکانت أکثر تعقیداً بکثیر، إذ احتوت على کربونات الکالسیوم وفوسفات الکالسیوم وبروتینات الدم.
ویعتقد الباحثون أن الفنانین مزجوا الجیر المطفأ مع ماده غنیه بالفوسفات والدم لتکوین مستحلب وُضع أولاً على الصخر. وقبل أن یتصلب الملاط بالکامل، جرى رسم الصبغه الحمراء فوقه.
ومع امتصاص الجیر لثانی أکسید الکربون من الغلاف الجوی، تحوّل تدریجیاً إلى کربونات کالسیوم صلبه. وخلال هذه العملیه، ساعدت بروتینات الدم فی توجیه تکوین بلورات معدنیه متماسکه عبر عملیه تُعرف بالتمعدن الحیوی.
وقد غلّفت هذه البلورات جزیئات الهیماتیت وثبتتها بقوه على سطح الحجر الجیری. وکانت النتیجه لیست مجرد طلاء جاف، بل مرکب عضوی-معدنی مجهری یشبه الأسمنت المعدنی الطبیعی.
وفی أفضل العینات المحفوظه، کانت الرابطه بین طبقه الطلاء والصخر قویه جداً لدرجه أن الباحثین اضطروا إلى استخدام مثقاب کهربائی لفصلها داخل المختبر.
أکد التحلیل البروتینی وجود عده بروتینات دمویه معروفه، منها الألبومین والفیبرینوجین والغلوبولینات المناعیه.
وقد تم اکتشاف بروتینات بشریه وحیوانیه معاً. إذ احتوت بعض العینات على نسبه غالبه من البروتینات البشریه، بینما أظهرت عینات أخرى نسباً أکبر من بروتینات الأبقار وحیوانات أخرى، مما یدل على أن الفنانین فی منطقه هواشان لم یعتمدوا على وصفه واحده ثابته.
وکان الاکتشاف الأکثر مفاجأه هو التعرف على بروتینین یرتبطان بالحمل والرضاعه والجهاز التناسلی الأنثوی: البروتین المحفّز بالبرولاکتین واللاکتوترانسفیرین.
وبناءً على هذه النتائج، اقترح الباحثون أن بعض الدم البشری ربما جاء من الولاده أو النزیف بعد الولاده.
یرى الباحثون أن احتمال استخدام دم مرتبط بالولاده قد یعکس المعتقدات الطقوسیه لشعب لویویه القدیم، الذی یُعتقد على نطاق واسع أنه أنشأ هذه الرسوم.
وتصف بعض النصوص التاریخیه الصینیه مجتمع لویویه بأنه مجتمع ذو نظام نسب أمومی، رغم أن هذه الروایات کُتبت بواسطه مراقبین من خارج المجتمع ولذلک یجب تفسیرها بحذر.
ویُفهم الفن نفسه عموماً على أنه تصویر لتجمعات احتفالیه ولیس مشاهد من الحیاه الیومیه. إذ تظهر مجموعات من الأشخاص إلى جانب الطبول البرونزیه وغیرها من الأشیاء الثمینه المرتبطه عاده بالأنشطه الطقوسیه.
وإذا صحت هذه الفرضیه، فقد یکون دم الولاده قد أدى دوراً عملیاً ورمزیاً فی الوقت نفسه؛ إذ ساعد فی تقویه البنیه المعدنیه التی حفظت الرسوم، کما رمز إلى الخصوبه والتجدد واستمرار المجتمع.
لطالما اعتُبرت رسوم هواشان مشروعاً فنیاً ضخماً تطلب أعداداً کبیره من العمال للوصول إلى الجروف الشاهقه ورسمها.
لکن الدراسه الجدیده تنقل الترکیز من حجم العمل البشری إلى الخبره التقنیه.
ویرى الباحثون أن المتانه الاستثنائیه لهذه الرسوم تعکس فهماً متقدماً للمواد الطبیعیه والعملیات الکیمیائیه، ولیس مجرد جهد بشری واسع النطاق. فلم یعتمد بقاؤها على طبقات سمیکه من الصباغ، بل على نظام معدنی مصمم بعنایه باستخدام معرفه متطوره بخصائص المواد.
وبعد أکثر من 2000 عام، ما زالت هذه التقنیه تؤدی وظیفتها الأصلیه. ورغم أن العدید من بروتینات الدم قد تحللت منذ زمن بعید، فإن الإطار المعدنی الذی ساعدت فی إنشائه لا یزال یثبت الأشکال الحمراء الزاهیه على الحجر الجیری.
لقد فعل فنانو هواشان أکثر من مجرد رسم صور على الصخر؛ فقد قاموا بهندسه أعمالهم الفنیه لتصبح جزءاً من الصخر نفسه.