ساعدنیوز: تجعّد الأصابع فی الماء هو أحد تلک الظواهر البیولوجیه الغریبه؛ ومع ذلک فقد کان أمام أعیننا طوال الوقت لدرجه أن قله من الناس تساءلوا عنه فعلیًا.
وفقًا لـ ساعدنیوز، طوال معظم القرن العشرین، کان التفسیر الشائع لتجعد الأصابع فی الماء هو أن الجلد یمتص الماء بشکل سلبی، فینتفخ وبالتالی یتجعد. وقد تم قبول هذا التفسیر لعقود لیس بسبب وجود أدله قویه، بل لأن أحدًا لم یدرسه بدقه.
لکن عندما قام الباحثون أخیرًا بدراسه هذه الظاهره بشکل دقیق، توصلوا إلى نتیجه أکثر إثاره: تجعد الأصابع هو استجابه عصبیه نشطه مرتبطه بآلیات تطوریه وتوفر فائده عملیه قابله للقیاس فی ظروف معینه. بل إن هذا الأمر دخل لاحقًا إلى العلوم الطبیه عن طریق الصدفه.
تبدأ قصه هذا الاکتشاف بملاحظه عصبیه منسیه فی ثلاثینیات القرن العشرین، وتمر عبر الجهاز العصبی الودی، وتنتهی فی الماضی التطوری البعید للإنسان وبیئات الرطوبه لدى أسلافنا.
کان التفسیر القدیم “امتصاص الجلد للماء” بسیطًا ومقنعًا لدرجه أنه بقی دون تحدٍ تقریبًا حتى نهایه القرن العشرین. لکن دراسه عام 2016 أظهرت أنه إذا کان تورم الجلد وحده هو السبب فی التجعد، لکان یجب أن یتمدد الجلد أکثر من 20% فوق حجمه الطبیعی لتکوین أنماط التجعد الفعلیه، وهو أمر لا یحدث فی الواقع.
لکن الضربه الرئیسیه لهذه النظریه جاءت من ملاحظه سُجلت فی ثلاثینیات القرن الماضی. فقد لاحظ الأطباء أن المرضى الذین تضررت أو قُطعت أعصاب أصابعهم الطرفیه لم تتجعد أصابعهم حتى بعد بقائها فتره طویله فی الماء، وظلت بشرتهم ملساء.
لم یتم أخذ هذه الملاحظه على محمل الجد لسنوات، حتى أدرک العلماء أهمیتها: إذا کان تلف الأعصاب یمنع التجعد، فهذا یعنی أن الجهاز العصبی لیس مجرد مراقب، بل هو العامل الأساسی.
فی الواقع، عندما توضع أطراف الأصابع فی الماء، یدخل مقدار صغیر من الماء إلى قنوات العرق على سطح الجلد. وهذا یرسل إشاره عبر الألیاف العصبیه الحسیه إلى الجهاز العصبی الذاتی، وخاصه القسم الودی، الذی یتحکم فی معدل ضربات القلب والتعرق واتساع حدقه العین.
بعد ذلک یصدر الجهاز أمرًا بتضییق الأوعیه الدمویه. فتضیق الأوعیه تحت الجلد، ویقل حجم النسیج، ویبدأ الجلد، الذی فقد دعمه الداخلی، بالانکماش إلى الداخل مکوّنًا التجاعید على طول البنى الوعائیه.
الیوم یستخدم الأطباء هذه العملیه کاختبار عصبی بسیط: تُوضع ید المریض فی ماء دافئ لمده 30 دقیقه تقریبًا، ویتم تقییم درجه التجعد. إذا لم تتشکل التجاعید أو کانت قلیله جدًا، فقد یشیر ذلک إلى تلف فی الأعصاب الودیه. وبذلک فإن أصابعنا المتجعده تُعد أیضًا أداه تشخیصیه طبیه.
ومن المثیر للاهتمام أن هذه التجاعید تظهر فقط فی مناطق معینه من الجسم: راحه الید، أطراف الأصابع، وباطن القدمین، ولیس على الساعد أو الکتف أو حتى ظهر الید. وهذه المناطق هی التی تلامس الأشیاء والأسطح مباشره، مما یشیر إلى أن لهذه الظاهره هدفًا تطوریًا محتملًا.
فی دراسه نُشرت عام 2013 فی مجله Biology Letters، اختبر العلماء هذه الفرضیه. حیث طُلب من 20 متطوعًا، بأصابع متجعده أو عادیه، نقل کرات صغیره مبلله من وعاء إلى آخر.
کانت النتیجه مثیره: الأشخاص ذوو الأصابع المتجعده کانوا أسرع بنسبه 12% تقریبًا. لکن عند تکرار التجربه مع أشیاء جافه، لم تقدم التجاعید أی فائده. وهذا یعنی أن التجاعید مفیده فقط فی الظروف الرطبه، وهو ما یتوقعه أی تکیف تطوری.
وأظهرت دراسه أخرى أن الأشخاص ذوی الأصابع المتجعده استخدموا قوه أقل عند إمساک الأشیاء المبلله، وکان أداؤهم قریبًا من أدائهم عندما تکون الید جافه تمامًا. أما الأشخاص ذوو الأیدی المبلله دون تجعد فکان علیهم استخدام قوه أکبر. وبمعنى آخر، فإن هذه التجاعید لیست مجرد خطوط شکلیه، بل هی بنیه وظیفیه تحسن الاحتکاک والتحکم بالأشیاء.
من منظور تطوری، من المحتمل أن هذه الخاصیه کانت مفیده جدًا للإنسان البدائی، مثل جمع الطعام من النباتات المبلله أو الأنهار أو البیئات الممطره، حیث کان تحسین قوه الإمساک عاملًا مهمًا للبقاء.
ومع ذلک، لم تُظهر جمیع الدراسات نتائج متطابقه. فبعض الأبحاث تشیر إلى أنه عند التعامل مع أشیاء صغیره وخفیفه، لا یوجد فرق کبیر بین الأصابع المتجعده والملساء، ربما لأن هذه الأشیاء لا تحتاج إلى احتکاک کبیر.
ومن الناحیه العلمیه، لا یمکن الجزم بشکل قاطع بأن وجود فائده یعنی بالضروره أن الصفه تطورت لهذا السبب تحدیدًا. لکن تداخل الأدله السلوکیه والبنیویه ومکان حدوث التجعد یجعل الفرضیه التطوریه الأکثر منطقیه مقارنه بأی تفسیر آخر.
کما کشفت دراسه عام 2025 نقطه مثیره أخرى: نظرًا لأن الأوعیه الدمویه تحت الجلد ثابته فی مواقعها، فإن نمط التجاعید لدى کل شخص عند البلل یکون متطابقًا تقریبًا فی کل مره. ویعتقد الباحثون أن هذا النمط قد یکون فریدًا لکل إنسان، وقد یُستخدم مستقبلًا فی القیاسات الحیویه أو الطب الشرعی.
فی النهایه، فإن تجعد الأصابع لیس مجرد استجابه بسیطه للماء، بل هو استجابه عصبیه دقیقه تنشط فی مناطق محدده من الجسم، وتکوّن نمطًا منظمًا، وتحسن أداء الید فی الظروف الرطبه؛ وهی خاصیه ربما ساعدت أسلافنا على البقاء منذ ملایین السنین.