ساعدنیوز: إن نظره نفسیه إلى مفهوم العقلانیه تُظهر کیف أن الضغط الاجتماعی للبقاء هادئًا وإداره مشاعر الآخرین یتحول تدریجیًا إلى تکلفه خفیه على الصحه النفسیه.
وبحسب ساعدنیوز نقلاً عن Psychology Today، فإننا جمیعًا نعرف شخصًا واحدًا على الأقل یُوصف دائمًا بأنه «عقلانی». شخص یظل هادئًا تحت الضغط، ویخفف التوتر، وفی العمل أو المنزل أو أی موقف آخر یحاول أن یضمن أن «الماء لا یتحرک». یتوقع احتیاجات الآخرین، ویعتذر قبل أن یعبّر عن طلباته، ویمتص الضغط النفسی بصمت حتى لا ینزعج أحد.
أن تکون «شخصًا عقلانیًا» یبدو فی ظاهره مدحًا، لکنه فی الواقع غالبًا مطلب خفی: کن هادئًا، ابقَ ساکنًا، وتکیف—بغض النظر عن التکلفه علیک. ومع مرور الوقت، یمکن أن یؤدی هذا الکبح المستمر للذات إلى الإرهاق والاستیاء والشعور بالتجاهل.
فی التعریفات الشائعه، تعنی العقلانیه التصرف بعدل وتفکیر ومنطق. لکن فی الواقع العملی، غالبًا ما تعنی الامتثال الکامل، والدعم المستمر، والتکیف المفرط من أجل الحفاظ على السلام. الشخص «العقلانی» هو من یهدّئ الآخرین، ویحل النزاعات، ویتولى دور حفظ السلام فی العمل والعلاقات.
لکن هذه العقلانیه تأتی غالبًا مع قواعد غیر مکتوبه: لا تُظهر مشاعرک، لا تُسبب مشاکل للآخرین، لا تُصعّد الخلافات، ولا تجعل مشاعرک تزعج أحدًا. هذه القواعد تبدو للحفاظ على السلام، لکنها فی الواقع تؤدی إلى کبت الذات.
ولا تُعد «العقلانیه المزمنه» اضطرابًا نفسیًا رسمیًا ولا یوجد لها تشخیص سریری محدد، لکنها ترتبط بمفاهیم مثل: «التحکم المفرط»، و«کبت المشاعر»، و«تجنب الصراع»، وحتى «إرضاء الآخرین» أو «المبالغه فی التوافق». القاسم المشترک بینها هو الاعتقاد بأن القبول الاجتماعی أهم من الصدق مع الذات، والأهم أن هذا السلوک غالبًا ما یتم مکافأته اجتماعیًا.
فی المقابل، یُنظر إلى «عدم العقلانیه» على أنها صعوبه أو إزعاج أو مشکله. وقد یکون هذا التصنیف نتیجه مجرد التعبیر عن مشاعر مثل الغضب أو الإحباط أو الألم أو القلق أو الحزن، أو حتى مجرد قول رأی صادق. فی کثیر من الحالات، عباره «کن عقلانیًا» لیست إلا اتهامًا مبطنًا، أی أن مشاعرک تُعتبر مزعجه أو تهدیدًا للآخرین.
یوجد معیار مزدوج واضح فی التعبیر العاطفی، خاصه بین الرجال والنساء. تُظهر الأبحاث أن النساء یتعرضن لانتقاد أکبر بکثیر عند التعبیر عن الغضب مقارنه بالرجال، بینما یُفسَّر غضب الرجال غالبًا على أنه «حماس» أو «حزم». وقد أظهرت الدراسات أن تعبیر النساء عن الغضب یقلل من تأثیرهن الاجتماعی، بینما قد یحافظ أو یزید تأثیر الرجال.
وبالتالی، فإن السلوک الهادئ وغیر المهدِّد والمسیطر علیه یُکافأ أکثر لدى النساء مقارنه بالرجال. وهکذا تصبح العقلانیه عبئًا مرتبطًا بالجندر، حیث یُتوقع من النساء لیس فقط إداره مشاعرهن، بل أیضًا ضبط المناخ العاطفی من حولهن—وهو عبء غیر مُعلن لکنه ثقیل.
على الرغم من أن العقلانیه تبدو فضیله اجتماعیه، إلا أنها تتطلب قدرًا کبیرًا من «العمل النفسی غیر المرئی». هذا الدور یفرض عبئًا صامتًا على الشخص الذی یجب أن یبقى دائمًا هادئًا ومرنًا ومتحکمًا فی نفسه. ومع مرور الوقت، قد یؤدی هذا إلى تلاشی عاطفی تدریجی، حیث یبتعد الفرد عن مشاعره واحتیاجاته.
العقلانیه المزمنه غالبًا ما تتداخل مع إرضاء الآخرین، حیث یصبح الشخص «نعم-قائلًا»، متوقعًا منه حل المشکلات، وتهدئه التوتر، والتواجد الدائم، والمساعده، مع طلب القلیل جدًا فی المقابل. الرساله غیر المعلنه هی: یجب أن تتکیف، یجب أن تتحمل، لا یجب أن تطلب الکثیر. وإذا لم تفعل، فمن سیفعل؟
بالنسبه لبعض الأشخاص، فإن هذا النمط هو استراتیجیه لتجنب الصراع نشأت فی مراحل مبکره من الحیاه، مثل الخوف من الرفض أو أسلوب بقاء تشکّل فی الطفوله واستمر حتى البلوغ. کما قد یعکس أیضًا أعرافًا جندریه راسخه تُعلّم التحکم العاطفی والرعایه منذ الصغر، خصوصًا لدى الفتیات.
لکن لهذه الأدوار تکلفه. کبت المشاعر المستمر یمکن أن یؤدی إلى إرهاق نفسی، واستیاء متراکم، وانفجارات عاطفیه مؤجله. وعلى المدى الطویل، قد یضعف الإحساس بالهویه. عندما ینشغل الشخص دائمًا بإداره احتیاجات الآخرین، یتم تهمیش احتیاجاته الخاصه. وهذا الاختلال یمکن أن یؤدی إلى التوتر المزمن والقلق والاحتراق النفسی والاکتئاب.
إذا لاحظنا هذا النمط فی أنفسنا، فالسؤال هو: ماذا یمکن فعله؟ یمکن أن یساعد الدعم العلاجی فی بناء استراتیجیات صحیه والتخلص من الاستجابات التلقائیه القائمه على الکبت. کما أن ممارسه التواصل الحازم وتحدید الحدود مع الآخرین خطوه مهمه. وتعلم قول «لا» من أهم المهارات.
کما أن تقبّل عدم الکمال مهم أیضًا. وجود مساحه آمنه أو شخص یمکن أن نکون معه على طبیعتنا دون حکم یحدث فرقًا کبیرًا. ویمکن للیقظه الذهنیه والعنایه الذاتیه أن تدعم هذا المسار، لکن أحیانًا نحتاج إلى شیء أبسط وأصعب: أن نسمح لأنفسنا بأن نشغل مساحه، وأن نکون أحیانًا مزعجین، وأن نقبل تعقید کوننا بشرًا. للعقلانیه مکانها، لکن لا ینبغی لأحد أن یختفی کی یثبت قیمته.