القصه الغریبه للعظام / اکتشاف عظام عمرها 6,000 سنه فی الدنمارک

Wednesday, May 13, 2026

ساعد نیوز: على امتداد حافه ساحل فیورد قدیم اختفى فی شرق یوتلاند فی الدنمارک، عاد علماء الآثار من جدید إلى واحده من أکثر قضایا العصر الحجری غموضاً وربما رعباً فی البلاد: نحو 160 عظمه بشریه متناثره من موقع «دیرهولم»، حیث تظهر على العدید منها آثار قطع وتکسیر وعلامات تعامل غیر عادی مع الجثث.

القصه الغریبه للعظام / اکتشاف عظام عمرها 6,000 سنه فی الدنمارک

وبحسب قسم المجتمع فی ساعد نیوز، فقد تم اکتشاف هذه البقایا البشریه لأول مره فی عشرینیات وثلاثینیات القرن الماضی، ثم مره أخرى فی السبعینیات، لکن مجموعه الأبحاث «روتس» التابعه لجامعه کیل ترى أن الوقت قد حان لإعاده دراستها باستخدام الأسالیب العلمیه الحدیثه.

کان موقع دیرهولم مأهولاً لفتره طویله، من أواخر ثقافه «إرتیبوله» فی العصر الحجری الوسیط (حوالی 5400–3950 قبل المیلاد) إلى بدایات ثقافه «کأس القمع» فی العصر الحجری الحدیث (حوالی 3950–3400 قبل المیلاد). وهذا ما یجعل الموقع بالغ الأهمیه، لأنه یرتبط بإحدى أکبر التحولات فی شمال أوروبا: الانتقال من حیاه تعتمد على الصید والسمک وجمع الغذاء إلى مجتمعات زراعیه.

عظام مکسوره

لم یتم العثور على العظام البشریه على شکل قبور کامله، بل کانت متناثره فی مساحه واسعه من موقع التنقیب ومختلطه مع بقایا حیوانیه غنیه. وتُظهر نتائج التأریخ بالکربون المشع أن هذه البقایا لم تُدفن فی حدث واحد، بل تراکمت على مدى مئات السنین.

آثار قطع، عظام مکسوره، وجمجمه طفل

ما یجعل دیرهولم مدهشاً ومثیراً للقلق لیس وجود البقایا البشریه فقط، بل طریقه التعامل مع هذه الجثث. وفقاً لباحثی «روتس»، فإن العدید من العظام تحمل آثار قطع وضرب وتشریح للجسم بشکل طولی وکسر، وهی علامات قد تشیر إلى استخراج نخاع العظم. کما تظهر على جمجمه طفل آثار یُحتمل أنها تعود إلى سلخ فروه الرأس. وبعض العظام تحمل أیضاً آثار عضّ من حیوانات مفترسه، مما یزید من تعقید الصوره.

وقد دفعت هذه الأدله بعض الباحثین سابقاً إلى طرح فرضیه أکل لحوم البشر فی دیرهولم. لکن رغم صدمه هذه الفرضیه، إلا أن إثباتها لیس سهلاً، لأن آثار القطع والتکسیر قد تشیر أیضاً إلى موت عنیف، أو تقطیع الجثث، أو طقوس دینیه، أو معالجه للجثث بعد الموت، أو تدخل الحیوانات، أو مزیج من هذه العوامل.

ولهذا فإن المشروع الجدید مهم جداً، إذ لا یهدف فریق جامعه کیل إلى تصنیف دیرهولم کموقع «أکل لحوم بشر» فقط، بل إلى إعاده فحص جمیع الأدله باستخدام طرق علمیه حدیثه ورؤیه أوسع.

أکل لحوم البشر أم طقوس دینیه أم شیء أکثر تعقیداً؟

فرضیه أکل لحوم البشر لها تاریخ طویل فی علم آثار الدنمارک. وقد أظهرت دراسه عام 2023 أن الجدل حول العظام البشریه المتناثره فی العصر الحجری الوسیط مستمر منذ أکثر من 150 عاماً. وکانت التفسیرات القدیمه تقترح إما قبوراً مدمره أو طقوس أکل لحوم بشر، بینما تطرح التفسیرات الحدیثه أیضاً سلوکیات طقسیه ومعالجه للجثث بعد الوفاه.

هذا التوسع فی التفسیر مهم جداً لدیرهولم، إذ قد تعکس البقایا طقوساً تختلف تماماً عن مفهوم الدفن الحدیث. ففی بعض مجتمعات العصر الحجری الوسیط، ربما کانت الجثث تُترک فی العراء أو تُنقل أو تُقطّع أو تُوضع فی أماکن رمزیه.

وتشیر أبحاث سورنسن إلى أن حصر التفسیر بین القبور المدمره أو أکل لحوم البشر رؤیه محدوده للغایه، ویجب أیضاً النظر إلى طرق دفن أخرى مثل وضع الجثث على منصات أو حتى على الأشجار.

الحد الفاصل بین الحیاه والموت والطقوس

کما أن الموقع الجغرافی لدیرهولم یعزز هذه الفکره، إذ لم تکن المناطق الساحلیه ومصبات الأنهار والفیوردات مجرد أماکن للعیش وجمع الغذاء، بل کانت أیضاً أماکن ذات طابع رمزی ومقدس فی العدید من المجتمعات القدیمه.

نافذه على زمن التغیرات الکبرى

یقع دیرهولم أیضاً عند الحد الفاصل بین ثقافتین مهمتین: عالم إرتیبوله القائم على الصید والسمک وجمع الغذاء، وثقافه کأس القمع التی جاءت بالزراعه والفخار والحیوانات المستأنسه وطقوس مختلفه.

وقد أظهرت دراسات بقایا المواد العضویه فی الفخار من بدایات العصر الحجری الحدیث فی الدنمارک أن الدهون اللبنیه ظهرت مع بدایه ثقافه کأس القمع، بینما استمر استخدام الأغذیه البحریه فی الأوانی الفخاریه حتى بعد ألف سنه تقریباً. وهذا یشیر إلى أن التحول نحو الزراعه لم یکن فجائیاً بل تدریجیاً.

لذلک فإن عظام دیرهولم لیست مجرد لغز جنائی قدیم، بل قد تکشف کیف کان البشر فی ذلک الزمن یفهمون الجسد والموت والأسلاف خلال فتره من التحولات الاجتماعیه العمیقه.

فی الوقت الحالی، لا یقدم دیرهولم إجابه بسیطه، وهذا تحدیداً ما یجعله مثیراً. فقد تعکس هذه العظام العنف أو الطقوس أو البقاء أو احترام الموتى أو الخوف أو کل ذلک معاً. لکن ما یظهر بوضوح هو أن الدنمارک فی العصر الحجری لم تکن عالماً بسیطاً وهادئاً للصیادین الساحلیین، بل مجتمعاً إنسانیاً معقداً ورمزیاً وأحیاناً مقلقاً للغایه.