ساعدنیوز: تلعب النیّه دورًا حاسمًا فی تحدید قیمه أعمال الإنسان؛ فالعمل الذی لا یُقصد به ابتغاء مرضاه الله لا قیمه له، بینما قد یتحوّل حتى العمل التعبّدی الواجب إلى عملٍ ذی قیمه سلبیه إذا أُدّی ریاءً وطلبًا لمدح الناس.
وفقًا لموقع «ساعدنیوز»، تعنی النیه العزم الراسخ والقصد المحدد للقیام بعملٍ ما. فالإنسان العاقل الذی یتصرف بإرادته واختیاره لا یُقدم على الأفعال من دون نیه، بل إن القیام بفعلٍ من غیر أی قصد یُعد أمرًا مستحیلًا فی جوهره. وتؤدی النیه دورًا حاسمًا فی العبادات؛ لذلک ینبغی أن تتوافر فی نیه العباده صفات وشروط معینه حتى یتمکن الإنسان من الانتفاع ببرکاتها وثمراتها الروحیه على أکمل وجه.
ولا یقتصر تأثیر النیه على الأجر والثواب الروحی للعباده، بل قد تؤدی أیضًا إلى بطلانها إذا اختلّت بعض الشروط أو لم تتحقق متطلباتها. وقد استند الفقهاء المسلمون فی تقریر هذه القاعده إلى القرآن الکریم، فی قوله تعالى فی سوره البینه، الآیه الخامسه، وإلى السنه النبویه فی حدیث: «إنما الأعمال بالنیات»، وإلى العقل، الذی یقتضی أن تُؤدَّى العباده بقصد التقرب إلى الله، فضلًا عن الإجماع العلمی والفقهی.
ویُعد قصد القربه إلى الله تعالى أهم شروط العباده، إذ یمیزها عن العادات والأفعال الیومیه المعتاده. کما ینبغی للمکلَّف أن یکون على درایه عامه بالعباده التی یؤدیها، وألا ینشغل أو ینسى أثناء أدائها إلى الحد الذی تزول معه النیه الأصلیه من ذهنه تمامًا. کذلک یجب علیه أن ینزّه عبادته عن الریاء والشرک وسائر الآفات الروحیه التی تفسد إخلاصه.
یقول الله سبحانه وتعالى فی بیان إخلاص القصد له:
«قُلْ إِنَّ صَلَاتِی وَنُسُکِی وَمَحْیَایَ وَمَمَاتِی لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِینَ» (سوره الأنعام، الآیه 162).
النیه هی القصد، وهی حلقه الوصل بین المعرفه والعمل. فإذا لم یعلم الإنسان أنه ینبغی له القیام بعمل معین، فلن یقصد أداءه، وما لم تتکوّن لدیه النیه للقیام به، فلن یصدر عنه ذلک الفعل على أساس القصد والاختیار.
والنیه هی نقطه الانطلاق فی المسیره الروحیه؛ إذ ینبغی للسالک إلى الله أن یحدد غایته بوضوح. ولما کانت الغایه القصوى هی بلوغ الکمال المطلق، وجب أن یکون المقصد هو التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فهو وحده مصدر الکمال المطلق.
وعندما یبلغ الإنسان هذه المرتبه من الوعی الروحی، قد تکون النیه الصالحه التی لم تتحول إلى عمل أفضل من عملٍ ظاهره الصلاح لکنه یفتقر إلى النیه الصحیحه.
وقد قال النبی محمد صلى الله علیه وآله وسلم:
«نیه المؤمن خیر من عمله».
النیه بمنزله الروح، والعمل بمنزله الجسد. وقد قال النبی صلى الله علیه وآله وسلم أیضًا:
«إنما الأعمال بالنیات».
فکما تتوقف حیاه الجسد على وجود الروح، تتحدد القیمه الحقیقیه للعمل بحسب النیه التی تقف وراءه.
وقال النبی صلى الله علیه وآله وسلم فی بیان أثر النیه فی الأعمال:
«وإنما لکل امرئ ما نوى، فمن کانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن کانت هجرته لدنیا یصیبها أو امرأه ینکحها فهجرته إلى ما هاجر إلیه».
فالعمل الصالح الذی یُؤدَّى بقصد التقرب إلى الله یساهم فی بلوغ الکمال الروحی. ویقول الله تعالى:
«لَا خَیْرَ فِی کَثِیرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَهٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَیْنَ النَّاسِ ۚ وَمَنْ یَفْعَلْ ذَٰلِکَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِیهِ أَجْرًا عَظِیمًا» (سوره النساء، الآیه 114).
قال الإمام جعفر الصادق علیه السلام:
«إن أهل النار مخلدون فی النار؛ لأن نیاتهم کانت فی الدنیا أنهم لو خُلِّدوا فیها أن یعصوا الله أبدًا. وإن أهل الجنه مخلدون فی الجنه؛ لأن نیاتهم کانت فی الدنیا أنهم لو بقوا فیها أن یطیعوا الله أبدًا.
فبالنیات خُلِّد هؤلاء وهؤلاء».
ثم تلا قول الله تعالى:
«قُلْ کُلٌّ یَعْمَلُ عَلَىٰ شَاکِلَتِهِ» (سوره الإسراء، الآیه 84).
وبیّن الإمام أن المقصود بذلک أن کل إنسان یعمل وفق نیته وقصده.
تختلف العبادات والأعمال الصالحه فی مدى ارتباط صحتها وقیمتها الروحیه بالنیه. فبعض الأعمال تتوقف صحتها الشرعیه على توافر نیه مخصوصه، بینما قد تکون النیه عاملًا أساسیًا فی تحدید الأجر والثواب وقیمه العمل عند الله.
فعلى سبیل المثال، قد ینال الشخص الذی یصلی ریاءً ثناءً من بعض الناس الذین یحرصون على الصلاه ویلتزمون بها، فی حین أن الذین لا یهتمون بالصلاه لن یکونوا بالضروره معجبین بفعله. وفی هذه الحاله، یکون السعی إلى کسب إعجاب المؤمنین هو الدافع وراء استعراض العباده أمام الآخرین.
أما فی المشروعات ذات النفع العام، مثل بناء المدارس والمستشفیات وإنشاء المؤسسات الخدمیه، فقد یقدّر المسلمون وغیر المسلمین هذه الجهود ویدعمونها. ولذلک قد تتسع فرص التظاهر بالصلاح وطلب السمعه الحسنه عند الإنفاق على المشروعات العامه أکثر مما هی علیه فی أداء الصلاه.
فقلیل من الناس قد یصوّتون لمرشح لمجرد أنه یؤدی الصلاه، بینما قد یزداد احتمال حصوله على أصوات الآخرین إذا أنفق أمواله على المشروعات العامه والأعمال التی تعود بالنفع على المجتمع.
وهذا یوضح أن دوافع الناس قد تختلف باختلاف طبیعه العمل؛ فالدافع وراء العباده الفردیه قد لا یکون هو نفسه الدافع وراء أعمال الخیر والعبادات التی ینتفع بها الآخرون.
وخلاصه القول، إن النیه هی التی تحدد الدلاله الروحیه لأعمالنا وعباداتنا. فقد یبدو العمل حسنًا فی ظاهره، لکن قیمته الحقیقیه تتوقف على الغایه التی أُنجز من أجلها. والنیه الصادقه، ولا سیما ابتغاء مرضاه الله تعالى، هی التی تحوّل الأعمال العادیه إلى طاعات ذات معنى وقیمه، وتقرّب الإنسان من الکمال الروحی.