ساعدنیوز: من أشجار تنزف سائلًا أحمر یشبه الدم، إلى أخرى تخزن المیاه أو تعیش آلاف السنین، تخفی الطبیعه نباتات مذهله دفعت العلماء لدراسه أسرار تکیفها، وقد تحمل هذه الأسرار حلولًا لمستقبل الزراعه وحمایه البیئه.
وفقا لساعدنیوز، عندما نفکر فی الأشجار، نتخیل جذعًا بنیًا وأغصانًا خضراء لا أکثر. لکن فی زوایا مختلفه من العالم، توجد أشجار تبدو وکأنها خرجت من روایه خیال علمی. بعضها ینزف سائلًا أحمر، وأخرى تنتفخ کخزان ماء عملاق، بینما تعیش أنواع أخرى آلاف السنین دون أن تتوقف عن النمو. فما سر هذه الأشجار؟ ولماذا أصبحت محط اهتمام العلماء؟
من أشهر الأشجار الغریبه شجره دم التنین (Dracaena cinnabari) التی تنمو بشکل طبیعی فی جزیره سقطرى الیمنیه.
عندما یُجرح جذعها، یخرج منه راتنج أحمر داکن یشبه الدم، ولذلک أطلق علیها هذا الاسم منذ مئات السنین. وقد درس باحثون من المرکز التشیکی للبحوث النباتیه وجامعات أوروبیه التنوع الحیوی فی سقطرى لفهم کیفیه تکیف هذه الشجره مع البیئه الجافه والریاح القویه.
وأظهرت الدراسات أن شکلها المظلی لیس مجرد منظر ممیز، بل یساعد على تقلیل فقدان الماء، ویوفر ظلًا یحمی الشتلات الصغیره من الحراره المرتفعه. کما استُخدم راتنجها تاریخیًا فی الأدویه التقلیدیه والأصباغ والورنیش.
فهل کان هذا الشکل الغریب مجرد صدفه؟ أم أنه نتیجه ملایین السنین من التطور؟


فی إفریقیا ومدغشقر، تقف شجره الباوباب (Adansonia digitata) کواحده من أکثر الأشجار غرابه على الأرض.
قد یصل قطر جذعها إلى أکثر من عشره أمتار، ویمکنها تخزین آلاف اللترات من الماء داخل أنسجتها خلال موسم الأمطار، لتستخدمها فی أشهر الجفاف الطویله.
وفی دراسه قادها البروفیسور Adrian Patrut من جامعه بابیش بولیای فی رومانیا، استخدم الباحثون تقنیه التأریخ بالکربون المشع لتحلیل أعمار أکبر أشجار الباوباب فی إفریقیا.
شملت الدراسه عشرات الأشجار العملاقه، وکشفت أن بعضها تجاوز 2000 عام، وهو ما جعلها من أقدم الأشجار المزهره المعروفه فی العالم. کما لاحظ الفریق العلمی أن عددًا من أقدم أشجار الباوباب بدأ بالانهیار خلال العقود الأخیره، وهو أمر أثار قلق الباحثین وربطوه بالتغیرات المناخیه المتسارعه.
فهل یمکن أن نفقد هذه العمالقه الطبیعیه خلال العقود القادمه؟

فی جبال کالیفورنیا ونیفادا الأمریکیه تنمو أشجار الصنوبر بریستلکون (Great Basin Bristlecone Pine)، والتی تعد من أقدم الکائنات الحیه غیر المستنسخه على الأرض.
ومن أشهرها شجره Methuselah التی یقدر عمرها بأکثر من 4800 عام.
یدرس علماء مختبر أبحاث حلقات الأشجار بجامعه أریزونا (Laboratory of Tree-Ring Research) هذه الأشجار باستخدام علم التأریخ بحلقات النمو (Dendrochronology)، حیث تُحلل الحلقات السنویه داخل الجذع لإعاده بناء تاریخ المناخ خلال آلاف السنین.
والمفاجأه أن بطء نمو هذه الأشجار، الذی یبدو نقطه ضعف، هو فی الحقیقه أحد أسرار عمرها الطویل، إذ یقلل من استهلاک الطاقه ویجعلها أکثر مقاومه للأمراض والظروف القاسیه.

فی صحراء موهافی الأمریکیه تنمو شجره جوشوا (Yucca brevifolia)، التی أصبحت رمزًا للبیئات الصحراویه.
قاد علماء من جامعه کالیفورنیا – ریفرساید بالتعاون مع هیئه المسح الجیولوجی الأمریکیه (USGS) دراسات میدانیه ونماذج مناخیه للتنبؤ بمستقبل هذه الشجره.
واعتمدت الأبحاث على مراقبه آلاف الأشجار وتحلیل بیانات درجات الحراره والأمطار، وأظهرت أن ارتفاع حراره الأرض قد یؤدی إلى تقلص موائلها الطبیعیه بشکل کبیر خلال العقود المقبله إذا استمرت الانبعاثات بالمعدلات الحالیه.
فهل ستتمکن هذه الشجره التی صمدت آلاف السنین من مواجهه تغیر المناخ الحدیث؟

قد تبدو هذه الأشجار مجرد عجائب طبیعیه، لکنها فی الحقیقه تمثل مختبرات حیه لفهم آلیات البقاء والتکیف. فدراسه قدرتها على مقاومه الجفاف أو تخزین المیاه أو العیش آلاف السنین تساعد الباحثین على تطویر محاصیل أکثر تحملًا للظروف المناخیه القاسیه، وتحسین برامج الحفاظ على التنوع الحیوی.
کما تسهم هذه الأشجار فی فهم تطور النباتات عبر ملایین السنین، وتوفر سجلات طبیعیه للتغیرات المناخیه القدیمه، وهو ما یجعلها ذات قیمه علمیه لا تقل أهمیه عن قیمتها البیئیه.
وفی النهایه، ربما تکون أغرب الأشجار فی العالم قد نجحت فی إیصال رساله بسیطه لکنها عمیقه: الطبیعه قادره دائمًا على ابتکار حلول مدهشه للبقاء. والسؤال الذی یبقى مفتوحًا هو: کم من الأسرار الأخرى ما زالت الأشجار تخفیها بین جذوعها وأغصانها؟