ساعدنیوز: کشفت دراسه علمیه حدیثه أن التوتر النفسی لا یبقى حبیس العقل، بل یطلق سلسله من التغیرات الکیمیائیه السریعه التی قد تجعل الدم أکثر قابلیه للتجلط خلال دقائق. فما الذی یحدث داخل الجسم عندما نتعرض لضغط نفسی مفاجئ؟
وفقا لساعدنیوز یظن کثیرون أن التوتر مجرد شعور عابر یمکن تجاوزه ببعض الصبر أو الراحه، لکن العلم یکشف الیوم جانبًا أکثر إثاره للقلق. فالدراسه الحدیثه تشیر إلى أن دقائق قلیله من الضغط النفسی قد تکون کافیه لإحداث تغیرات حقیقیه داخل الدم، تجعل الجسم أکثر استعدادًا لتکوین الجلطات.
هذا الاکتشاف یسلط الضوء على العلاقه العمیقه بین الصحه النفسیه والجسدیه، ویؤکد أن ما یشعر به الإنسان فی عقله ینعکس بسرعه على أعضائه وأجهزته الحیویه.
عندما یواجه الإنسان موقفًا ضاغطًا، مثل موعد عمل مهم، أو أزمه مالیه، أو التحدث أمام جمهور، لا یقتصر الأمر على الشعور بالقلق أو تسارع الأفکار.
فالدماغ یطلق فی تلک اللحظات سلسله من الإشارات الکیمیائیه التی تنتقل عبر مجرى الدم إلى مختلف أنحاء الجسم، لتبدأ استجابه بیولوجیه معقده تشمل القلب والأوعیه الدمویه والجهاز المناعی وحتى مکونات الدم نفسها.
وهذا ما حاول فریق بحثی بقیاده علماء من جامعه ساوث ویلز فهمه بدقه من خلال تجربه مخبریه صُممت لرصد تأثیر التوتر فی لحظته.

أظهرت النتائج أن التوتر النفسی الحاد یؤدی خلال دقائق إلى زیاده إنتاج الجذور الحره، وهی جزیئات شدیده التفاعل ترتبط بما یعرف بالإجهاد التأکسدی.
لکن المفاجأه کانت أن هذه الجذور الحره لا تکتفی بالتأثیر فی الخلایا، بل تغیر أیضًا الطریقه التی تتشکل بها جلطات الدم.
فبعد التعرض للتوتر، أصبحت الجلطات أکبر حجمًا وأکثر کثافه، کما أصبحت ألیاف الفیبرین، وهی البروتین المسؤول عن بناء هیکل الجلطه، أکثر تماسکًا، وهو ما قد یزید قابلیه الدم للتخثر.
للتأکد من هذه الفرضیه، أجرى الباحثون تجربه على ثمانیه رجال أصحاء تتراوح أعمارهم بین 18 و30 عامًا.
زار کل مشارک المختبر مرتین؛ فی المره الأولى جلس فی حاله استرخاء، بینما خضع فی الزیاره الثانیه لاختبار نفسی معروف عالمیًا لإحداث التوتر.
وطُلب من المشارکین إعداد خطاب خلال خمس دقائق فقط، ثم تقدیمه أمام لجنه تقییم وکامیرا تصویر بعد سحب جمیع ملاحظاتهم، قبل أن یواجهوا اختبارًا ذهنیًا یعتمد على العد التنازلی بأرقام معقده مع إعاده المحاوله عند کل خطأ.
ورغم بساطه التجربه ظاهریًا، فإنها صُممت لمحاکاه الضغوط التی یواجهها کثیر من الناس فی الحیاه الیومیه.
جمع الباحثون عینات دم قبل التجربه وبعدها مباشره، واستخدموا تقنیات دقیقه لقیاس مستوى الجذور الحره وتحلیل ترکیب الجلطات.
وخلال جلسه الاسترخاء لم تظهر أی تغیرات تُذکر.
أما بعد التعرض للتوتر، فقد ارتفعت مؤشرات الإجهاد التأکسدی بشکل واضح، وتغیرت بنیه الجلطات بصوره ملحوظه، ما یؤکد أن الجسم یستجیب نفسیًا وبیولوجیًا فی الوقت نفسه.
واللافت أن الباحثین لم یجدوا دلیلًا على أن التوتر یزید کثافه الدم أو یجعله أکثر لزوجه کما کان یُعتقد سابقًا، بل تبین أن التأثیر الحقیقی یکمن فی تغییر نوعیه الجلطه وترکیبها ولیس فی زیاده سماکه الدم.
منذ سنوات طویله یعرف العلماء أن الأشخاص الذین یعیشون تحت ضغط نفسی مزمن یکونون أکثر عرضه للإصابه بأمراض القلب والشرایین.
لکن الحلقه المفقوده کانت تتمثل فی فهم الآلیه التی یحول بها التوتر شعورًا نفسیًا إلى تغیر بیولوجی قد یزید خطر الإصابه بالمضاعفات القلبیه.
وتوفر هذه الدراسه تفسیرًا جدیدًا یشیر إلى أن الإجهاد التأکسدی قد یکون المفتاح الذی یربط بین التوتر واضطرابات الدوره الدمویه.
رغم أن النتائج تبدو مثیره، فإن الباحثین یشددون على ضروره عدم المبالغه فی تفسیرها.
فالدراسه لا تعنی أن إلقاء عرض تقدیمی أو التعرض لیوم عمل مرهق سیؤدی مباشره إلى نوبه قلبیه أو سکته دماغیه.
فأمراض القلب والأوعیه الدمویه أکثر تعقیدًا، وتتداخل فیها عوامل عدیده مثل العمر، والتدخین، وارتفاع ضغط الدم، والسکری، ومستوى النشاط البدنی.
کما أن الدراسه شملت عددًا محدودًا من المشارکین، جمیعهم من الرجال الشباب الأصحاء، وهو ما یستدعی إجراء أبحاث أکبر تشمل النساء وکبار السن والأشخاص المصابین بأمراض مزمنه للتأکد من إمکانیه تعمیم النتائج.
تکشف هذه الدراسه أن إداره التوتر لیست مجرد وسیله لتحسین الحاله المزاجیه، بل قد تکون خطوه مهمه للحفاظ على صحه القلب والدوره الدمویه.
کما تفتح النتائج الباب أمام أبحاث مستقبلیه قد ترکز على استهداف المسارات البیوکیمیائیه التی ینشطها التوتر، بهدف تقلیل تأثیراته الجسدیه والحد من مخاطر أمراض القلب.
وفی النهایه، تذکرنا هذه النتائج بأن التوتر لیس مجرد إحساس یمر سریعًا، بل هو استجابه بیولوجیه متکامله تؤثر فی الجسم بأکمله. لذلک فإن الاهتمام بالصحه النفسیه، والحصول على قسط کافٍ من النوم، وممارسه النشاط البدنی، وتخصیص وقت للاسترخاء، قد یکون له دور أکبر مما نتخیل فی حمایه القلب والحفاظ على صحه الجسم على المدى الطویل.