ساعدنیوز: تکشف طفره الاستثمار الهائله فی الذکاء الاصطناعی عن تأثیر یتجاوز شرکات التکنولوجیا ومراکز البیانات، بعدما بدأت البنوک الإقلیمیه الأمریکیه رصد زیاده فی الطلب على القروض التجاریه والصناعیه. لکن ارتفاع أسعار الفائده وتکالیف الذکاء الاصطناعی وضغوط هوامش الربح قد تحد من استمرار هذا الزخم.
وفقا لساعدنیوز یبدو أن الطفره الهائله فی الاستثمار بالذکاء الاصطناعی بدأت تترک بصمتها فی مکان لم یکن فی صداره المشهد: دفاتر قروض البنوک الإقلیمیه الأمریکیه.
القصه لا تعنی أن هذه البنوک دخلت جمیعها مباشره فی تمویل مراکز البیانات العملاقه التی تقف وراء سباق الذکاء الاصطناعی. التأثیر الأوسع یحدث فی مکان آخر؛ لدى الشرکات التی توفر المواد والمعدات والخدمات اللازمه لبناء البنیه التحتیه التی تحتاج إلیها هذه الصناعه.
ومع تدفق الاستثمارات على المصانع والمعدات وقطاع الإنشاءات والمخزونات، بدأت الحاجه إلى التمویل المصرفی فی الارتفاع. وهذا یمنح البنوک الإقلیمیه فرصه للاستفاده من موجه الذکاء الاصطناعی حتى من دون أن تکون شریکًا مباشرًا فی تمویل مراکز البیانات.
وتکشف بیانات الاحتیاطی الفیدرالی عن تحول لافت فی الطلب. ففی الربع الثانی من عام 2026، أفاد إجمالی 16.1% من البنوک بارتفاع طلب الشرکات الکبیره والمتوسطه على القروض التجاریه والصناعیه، مقارنه بـ4.8% فقط فی الربع الأول من العام نفسه.
ویرتبط ارتفاع الطلب، وفق مسؤولی الإقراض فی البنوک، بزیاده استثمارات الشرکات فی المصانع والمعدات، إلى جانب حاجتها المتنامیه إلى تمویل المخزونات.
وهنا تظهر أهمیه الطفره الحالیه بالنسبه للمصارف. فالمستفیدون من موجه الذکاء الاصطناعی لیسوا بالضروره شرکات التکنولوجیا الکبرى وحدها، بل شبکه واسعه من الشرکات التی تعمل خلف الکوالیس لتوفیر البنیه المادیه اللازمه لهذا التوسع.
PNC Financial Services Group الرئیس التنفیذی بیل دیمتشاک قال الشهر الماضی إن البنک شهد نموًا واسعًا وغیر معتاد فی الإقراض التجاری، مشیرًا إلى أن الطلب ارتفع، للمره الأولى منذ سنوات، فی نحو جمیع قطاعات القروض التجاریه والصناعیه.
لکن دیمتشاک وضع حدًا أمام التفسیر السهل للأرقام. فالذکاء الاصطناعی یؤثر بالفعل فی نشاط الإقراض، لکنه لا یفسر وحده کل هذا النمو، لأن زیاده الطلب ظهرت فی نطاق واسع من قطاعات الأعمال.
وتأتی هذه التطورات بالتزامن مع تحسن نشاط قطاع التصنیع الأمریکی. فقد وصل نشاط التصنیع فی یولیو إلى أعلى مستوى له خلال أربع سنوات، مسجلًا نموًا للشهر السابع على التوالی. وربط بعض المشارکین فی المسح هذا التحسن بالتأثیر الإیجابی للتوسع فی البنیه التحتیه الخاصه بالذکاء الاصطناعی.
ویصف محللو Wells Fargo هذه الظاهره بأنها أشبه بـ«تأثیر متسرب» من الاستثمارات الضخمه فی البنیه التحتیه للذکاء الاصطناعی.
فإنشاء البنیه التحتیه اللازمه لهذه التقنیه لا یتوقف عند الخوادم والرقائق ومراکز البیانات. هناک حاجه إلى الکهرباء والغاز الطبیعی ومواد البناء والمعدات الثقیله، إضافه إلى مجموعه کبیره من الخدمات التی تجعل توسع هذه المنشآت ممکنًا.
وهنا تحدیدًا تظهر الاستراتیجیه المختلفه لبعض البنوک الإقلیمیه.
تیم سبنس، الرئیس التنفیذی لبنک FITB، أوضح أن البنک لا یمول بصوره مباشره بناء مراکز البیانات، لکنه یمول الشرکات التی توفر الخرسانه والألومنیوم ومعدات التهویه وغیرها من الخدمات المرتبطه بأعمال البناء.
کما یقدم البنک التمویل لمصنعی المعدات الثقیله، بما فی ذلک الرافعات والجرارات والحفارات.
بمعنى آخر، لا یحتاج البنک إلى تمویل مرکز بیانات ضخم حتى یستفید من موجه الاستثمار فی الذکاء الاصطناعی. فقد تأتی الفرصه من الشرکه التی تصنع الرافعه، أو المورد الذی یوفر الألومنیوم، أو الجهه التی تؤمن معدات التهویه، أو المصنع الذی یوسع إنتاجه لتلبیه الطلب الجدید.
لکن هذه الصوره الإیجابیه لا تعنی أن طریق البنوک أصبح خالیًا من المخاطر.
فمحللی Wells Fargo حذروا من أن استمرار ارتفاع أسعار الفائده قد یحد من الطلب على القروض. کما أن ارتفاع تکلفه الاستثمارات المرتبطه بالذکاء الاصطناعی قد یدفع بعض الشرکات إلى تقلیص إنفاقها فی مجالات اقتصادیه أخرى.
وهناک مشکله أخرى لا تقل أهمیه: ارتفاع الإقراض لا یعنی بالضروره ارتفاع الأرباح.
وبحسب التقریر، تراجع عائد القروض خلال الربع الثانی لدى 22 بنکًا من أصل 29 بنکًا شملها تحلیل مورغان ستانلی. وحذر المحللون من أن البنوک التی تسعى إلى تسریع نمو الإقراض قد تضطر إلى دفع تکلفه أعلى لجذب الودائع، فی وقت تضغط فیه المنافسه فی السوق على هوامش أرباح القروض.
وهکذا تجد البنوک الإقلیمیه نفسها أمام معادله معقده. فمن جهه، تفتح طفره الذکاء الاصطناعی أبوابًا جدیده أمام التمویل فی قطاعات التصنیع والبناء والمعدات وسلاسل الإمداد. ومن جهه أخرى، تظل أسعار الفائده المرتفعه وتکالیف الودائع والمنافسه على هوامش الربح عوامل قد تحد من المکاسب.
وربما تکون المفاجأه الأکبر أن التأثیر المصرفی للذکاء الاصطناعی لا یظهر فقط فی الشرکات التی تطور التکنولوجیا نفسها. فالأثر ینتشر تدریجیًا إلى الاقتصاد الحقیقی: المصانع، شرکات الإنشاءات، موردی المعدات، مصنعی الآلات الثقیله، ومجموعه کبیره من الشرکات التی تعمل بعیدًا عن الأضواء.
وهذا هو الجانب الذی یستحق المتابعه خلال الفتره المقبله. فإذا استمرت الاستثمارات الضخمه فی البنیه التحتیه للذکاء الاصطناعی، فقد تواصل معها موجه الطلب على التمویل فی قطاعات أوسع من الاقتصاد الأمریکی. أما إذا أدت أسعار الفائده المرتفعه وتکالیف الاستثمار والمنافسه المصرفیه إلى الضغط على الشرکات والبنوک، فقد تصبح الاستفاده من هذه الطفره أکثر تعقیدًا.
فی النهایه، یبدو أن الذکاء الاصطناعی بدأ یتحول من قصه تکنولوجیه إلى قصه اقتصادیه ومصرفیه أیضًا. والسؤال لم یعد فقط من سیبنی التکنولوجیا أو مراکز البیانات، بل من سیستفید من سلسله النشاط الاقتصادی التی تنشأ حولها، وما إذا کانت هذه الموجه ستتحول إلى مصدر مستدام لنمو الإقراض أم ستواجه حدودها أمام ارتفاع التکالیف وضغوط الأسواق.