ساعدنیوز: کشفت دراسه علمیه حدیثه أن الأسماک لا تعیش فی عالم صامت کما کان یُعتقد، بل تتبادل الأصوات فیما بینها منذ نحو 155 ملیون سنه، فی اکتشاف قد یغیّر فهمنا لطبیعه التواصل بین الکائنات البحریه.
وفقا لساعدنیوز قد یکون المشهد الذی نعرفه عن أعماق البحار بحاجه إلى إعاده رسم بالکامل. فبینما اعتقد العلماء لسنوات طویله أن الحیتان والدلافین هی أبرز الکائنات البحریه القادره على التواصل بالأصوات، جاءت دراسه علمیه حدیثه لتکشف مفاجأه غیر متوقعه: الأسماک أیضًا تمتلک لغه صوتیه، ویُرجح أنها تستخدمها منذ نحو 155 ملیون سنه.
هذا الاکتشاف لا یضیف معلومه جدیده عن الحیاه البحریه فحسب، بل یفتح نافذه واسعه لفهم عالم کامل من الأصوات التی کانت تدور حولنا دون أن ننتبه إلیها.
لطالما ارتبطت الأسماک فی أذهان الکثیرین بالصمت، لکن الباحثین یؤکدون الیوم أن هذا التصور کان بعیدًا عن الحقیقه. فبحسب الدراسه، فإن عددًا هائلًا من أنواع الأسماک یصدر أصواتًا تستخدمها للتواصل فی مواقف حیاتیه مختلفه، تمامًا کما تفعل کثیر من الکائنات الأخرى.
وأوضح الباحث آرون رایس، عالم البیئه بجامعه کورنیل، أن العلماء کانوا یعلمون منذ سنوات أن بعض الأسماک تصدر أصواتًا، لکن هذه الظاهره کانت تُعتبر نادره وغیر شائعه، لذلک لم تحظ بالاهتمام الکافی مقارنه بالأبحاث التی رکزت على الحیتان والدلافین.
لکن مع التقدم فی تقنیات تسجیل الأصوات وتحلیلها، بدأت الصوره تتغیر تدریجیًا. فقد أظهرت الأدله أن عالم البحار أکثر ضجیجًا مما کان یُعتقد، وأن بعض أنواع الأسماک تتمتع بقدرات صوتیه مدهشه.
واعتمد فریق البحث على مراجعه مئات الدراسات والتسجیلات الصوتیه، إلى جانب تحلیل البنیه التشریحیه لآلاف الأنواع، لیتوصل إلى أن نحو ثلثی العائلات المعروفه من الأسماک ربما تعتمد على الأصوات کوسیله للتواصل.
والمثیر للاهتمام أن الأسماک لا تمتلک أحبالًا صوتیه مثل الإنسان، لکنها طورت وسائل مختلفه لإنتاج الأصوات. فبعضها یصدر أصواتًا عبر احتکاک الأسنان، بینما یستخدم البعض الآخر حرکه أجزاء من الجسم داخل الماء، فی حین تعتمد أنواع عدیده على عضلات مرتبطه بالمثانه الهوائیه لإنتاج ذبذبات صوتیه دقیقه.
ویشیر العلماء إلى أن عضلات المثانه الهوائیه لدى بعض الأنواع، مثل سمکه الضفدع، تُعد من أسرع العضلات الهیکلیه لدى الفقاریات، ما یمنحها قدره استثنائیه على إنتاج أصوات متنوعه.
ولعل أکثر ما أثار اهتمام الباحثین أن هذه القدره لم تظهر مره واحده فقط خلال التطور، بل یبدو أنها تطورت بشکل مستقل أکثر من 30 مره لدى مجموعات مختلفه من الأسماک، وهو ما یدل على أن التواصل الصوتی منحها میزه تطوریه مهمه ساعدتها على البقاء.
أما المفاجأه الأکبر، فهی أن التحلیلات التطوریه تشیر إلى أن هذه اللغه الصوتیه ظهرت قبل حوالی 155 ملیون سنه، وهو زمن یقترب من الفتره التی بدأت فیها بعض الفقاریات البریه بتطویر وسائلها الصوتیه الأولى.
لکن السؤال الذی یثیر فضول الجمیع هو: بماذا تتحدث الأسماک؟
لا یملک العلماء حتى الآن ترجمه دقیقه لهذه الأصوات، إلا أن المؤشرات الحالیه توضح أنها تؤدی وظائف متعدده، منها التحذیر من المفترسات، وتحدید مناطق النفوذ، وجذب الشریک خلال موسم التکاثر، والتنسیق أثناء البحث عن الغذاء، إضافه إلى أشکال مختلفه من التفاعل الاجتماعی بین أفراد المجموعه.
ویؤکد الباحثون أن بعض المختبرات بدأت بالفعل محاولات لفک شفره هذه الأصوات، أملاً فی فهم الرسائل التی تتبادلها الأسماک، وهو ما قد یفتح مستقبلًا بابًا جدیدًا لدراسه الحیاه البحریه وحمایتها.
ومن بین أکثر الأنواع التی لفتت انتباه العلماء، جاءت أسماک الضفدع وأسماک السلور، إذ تبین أنها من أکثر المجموعات إنتاجًا للأصوات، حتى إن بعض الباحثین وصفها بأنها "الأکثر ثرثره" فی أعماق البحار.
ورغم هذه النتائج، یحذر العلماء من التسرع فی الاعتقاد بأن الأنواع الأخرى صامته. فغیاب الأدله لا یعنی غیاب الأصوات، بل ربما تکون هناک ترددات أو إشارات صوتیه لم تتمکن الأجهزه الحالیه من التقاطها بعد.
ویرى الباحثون أن السنوات المقبله قد تحمل اکتشافات أکثر إثاره، خاصه مع تطور تقنیات الذکاء الاصطناعی وتحلیل الأصوات، التی قد تساعد فی فهم لغه الکائنات البحریه بصوره غیر مسبوقه.
ویؤکد هذا الاکتشاف مره أخرى أن الطبیعه لا تزال تخفی أسرارًا مذهله، وأن کثیرًا مما نعتقد أننا نعرفه عن الکائنات الحیه قد یتغیر مع کل دراسه جدیده. وربما یأتی یوم یصبح فیه الاستماع إلى "أحادیث الأسماک" وفهم رسائلها أمرًا ممکنًا، وهو ما سیغیر نظرتنا إلى الحیاه فی أعماق البحار بشکل جذری، ویدفعنا إلى إعاده التفکیر فی مدى تعقید العالم الذی نعیش فیه.