ساعدنیوز: تشیر دراسه حدیثه إلى أن الوعی الذی نشعر به یومیًا قد لا یکون المسؤول الحقیقی عن إنتاج أفکارنا أو مشاعرنا، بل إن الدماغ یقوم بمعظم هذه العملیات فی الخفاء قبل أن ندرکها. فهل نحن بالفعل نتحکم فی عقولنا، أم أننا نکتشف أفکارنا بعد أن تکون قد تشکلت بالفعل؟
وفقا لساعدنیوز یعتقد معظم الناس أنهم یختارون أفکارهم بإرادتهم، ویتحکمون فی مشاعرهم وقراراتهم لحظه بلحظه. لکن دراسه علمیه حدیثه تطرح رؤیه مختلفه تمامًا، قد تدفع الکثیرین إلى إعاده التفکیر فی الطریقه التی یعمل بها العقل البشری.
یرى الباحثون أن الشعور بالوعی، ذلک الإحساس الداخلی الذی یمنحنا الاعتقاد بأننا نسیطر على أفکارنا وانفعالاتنا، قد لا یکون القائد الحقیقی للعقل کما اعتقدنا لسنوات طویله. فبحسب الدراسه، فإن الدماغ ینفذ قدرًا هائلًا من العملیات المعقده خلف الکوالیس، بینما یصل الوعی فی مرحله لاحقه لیطّلع فقط على النتیجه النهائیه.
هذا السؤال یمثل جوهر الدراسه الجدیده التی نُشرت فی مجله Frontiers of Psychology. ویؤکد الباحثون أن الأفکار والمعتقدات والعواطف لا یبتکرها الوعی بصوره مباشره، بل تنشأ داخل أنظمه عصبیه لا واعیه تعمل بسرعه وکفاءه مذهله.
وبعباره أکثر بساطه، فإن الإنسان لا "یصنع" الفکره لحظه ظهورها، وإنما یصبح واعیًا بها بعد أن تکون قد تشکلت بالفعل داخل الدماغ.
هذه الفرضیه تبدو غریبه للوهله الأولى، لکنها تفسر الکثیر من المواقف الیومیه التی یعیشها الجمیع. فکم مره وجدت نفسک تتذکر اسمًا أو فکره فجأه دون أن تعرف کیف وصلت إلیها؟ أو شعرت بمشاعر معینه قبل أن تتمکن من تفسیر سببها؟ یرى الباحثون أن هذه الأمثله تعکس عمل العقل اللاواعی قبل أن یتدخل الوعی فی سرد ما حدث.
ولإیضاح فکرتهم، یشیر العلماء إلى تجربه یمر بها کل إنسان یومیًا. فعندما نستیقظ صباحًا بعد ساعات من فقدان الوعی أثناء النوم، لا نبدأ ببناء أفکارنا من الصفر، بل نجد أن عقولنا استعادت تلقائیًا الذکریات والانفعالات والخطط والاهتمامات السابقه.
الأمر نفسه یحدث عند رؤیه وجه مألوف أو سماع کلمه معینه؛ إذ یتعرف الدماغ علیها فی أجزاء من الثانیه، قبل أن یشعر الإنسان بعملیه الإدراک نفسها.
استندت الدراسه أیضًا إلى نتائج أبحاث استخدمت التنویم المغناطیسی لفهم آلیه عمل الدماغ.
ففی هذه التجارب، استطاع الباحثون تغییر إدراک المشارکین أو مشاعرهم أو حتى بعض سلوکیاتهم من خلال الإیحاء فقط. والأکثر إثاره أن صور الدماغ أظهرت اختلافًا واضحًا بین الحرکات الإرادیه وتلک التی حدثت نتیجه الإیحاء، ما یشیر إلى أن العقل قادر على إنتاج تجارب وسلوکیات کامله دون تدخل مباشر من الوعی التقلیدی.
ویرى العلماء أن هذه النتائج تقدم دلیلًا إضافیًا على أن العملیات اللاواعیه تلعب دورًا أکبر بکثیر مما کان یُعتقد سابقًا.

تطرح الدراسه مفهومًا جدیدًا أطلقت علیه اسم "الروایه الشخصیه". ووفقًا لهذا التصور، یقوم الدماغ باستمرار بإنتاج قصه متکامله عن الإنسان، تتضمن ذکریاته ومشاعره وأفکاره ومعتقداته وخبراته الیومیه.
هذه الروایه تتجدد باستمرار، وهی التی تمنح الإنسان شعوره بالهویه والاستمراریه عبر الزمن.
لکن المفاجأه أن الباحثین یرون أن الوعی لا یکتب هذه الروایه، بل یقرأها فقط بعد أن تکون قد تشکلت بالفعل.
بحسب الباحثین، تلعب هذه الروایه الشخصیه دورًا بالغ الأهمیه فی حیاه الإنسان. فهی تساعده على حفظ خبراته، وفهم تصرفات الآخرین، والتعلم من المواقف السابقه، وبناء علاقاته الاجتماعیه.
کما أنها تمنحه القدره على التخطیط للمستقبل، واتخاذ قرارات أکثر ملاءمه اعتمادًا على التجارب الماضیه، وهو ما ساهم فی تطور المجتمعات البشریه عبر آلاف السنین.
من أکثر الجوانب التی أثارت الجدل فی الدراسه أنها تفتح الباب أمام سؤال فلسفی قدیم: هل یملک الإنسان إراده حره فعلًا؟
إذا کانت الأفکار والقرارات تبدأ داخل أنظمه لا واعیه قبل أن ندرکها، فهل یعنی ذلک أننا لسنا مسؤولین عنها؟
الباحثون لا یجیبون بالإیجاب أو السلب بشکل قاطع، لکنهم یشیرون إلى أن مفاهیم مثل الإراده الحره والمسؤولیه الفردیه لا تزال ضروریه للحیاه الاجتماعیه والقانونیه، حتى لو کانت الآلیات العصبیه التی تنتج السلوک أکثر تعقیدًا مما کنا نتصور.
رغم أن نتائج الدراسه أثارت اهتمامًا واسعًا، فإنها لا تعنی أن العلماء توصلوا إلى إجابه نهائیه حول طبیعه الوعی البشری. فما یزال هذا المجال من أکثر موضوعات علم الأعصاب وعلم النفس غموضًا، وتستمر الأبحاث فی محاوله فهم العلاقه الدقیقه بین الوعی والدماغ واللاوعی.
لکن المؤکد أن هذه النتائج تدعو إلى إعاده التفکیر فی واحده من أقدم الأسئله التی شغلت الفلاسفه والعلماء: من الذی یقود حیاتنا حقًا؟ هل هو الوعی الذی نشعر به کل لحظه، أم أن الدماغ یعمل فی صمت قبل أن یخبرنا بما قرره؟
وربما یکون هذا السؤال هو الأکثر إثاره حتى الآن، لأنه لا یغیّر فقط فهمنا للعقل، بل قد یغیّر أیضًا الطریقه التی ننظر بها إلى أنفسنا وإلى معنى الاختیار والمسؤولیه.