ساعدنیوز: لم تعد المکتبات أماکن هادئه لاستعاره الکتب فحسب، بل تحولت إلى تحف معماریه ومراکز ثقافیه تستقطب ملایین الزوار سنویًا، حیث تمتزج المعرفه بالتکنولوجیا والفنون فی تجربه لا تُنسى.
وفقا لساعدنیوز لم یعد الذهاب إلى المکتبه یعنی التجول بین رفوف الکتب بصمت کما کان فی الماضی. ففی مدن کثیره حول العالم، أصبحت المکتبات الحدیثه أیقونات معماریه یقصدها السیاح تمامًا کما یقصدون الأبراج والمتاحف، لأنها تقدم تجربه تجمع بین الإبداع والتکنولوجیا والثقافه فی مکان واحد.
فکیف تحولت المکتبات من مخازن للکتب إلى معالم عالمیه؟ ولماذا أصبحت صورها تنتشر باستمرار على وسائل التواصل الاجتماعی؟
افتُتحت مکتبه تیانجین بینهای فی الصین عام 2017، وصممها المکتب الهولندی الشهیر MVRDV بالتعاون مع معهد التصمیم والتخطیط الحضری فی تیانجین.
تبلغ مساحه المکتبه نحو 33 ألف متر مربع، وتضم قاعه رئیسیه تتوسطها کره بیضاء ضخمه تُعرف باسم "العین"، بینما تمتد حولها رفوف منحنیه تبدو کأنها أمواج متدفقه من الکتب.
ورغم أن بعض الرفوف العلیا تحمل صورًا مطبوعه بدل الکتب الحقیقیه بسبب ضیق الوقت عند الافتتاح، فإن التصمیم أصبح واحدًا من أکثر التصامیم المعماریه انتشارًا فی العالم، واستقطب مئات الآلاف من الزوار خلال أشهره الأولى.
ألیس من المدهش أن یصبح تصمیم مکتبه حدیث العالم قبل مجموعاتها الأدبیه؟

على الواجهه البحریه للعاصمه النرویجیه افتُتحت مکتبه دیشمان بیورفیکا عام 2020، لتصبح أکبر مکتبه عامه فی البلاد.
لا تقتصر خدماتها على الکتب، بل تضم استودیوهات لتسجیل الموسیقى، وقاعات لصناعه الأفلام، وطابعات ثلاثیه الأبعاد، ومساحات للألعاب الإلکترونیه، وورشًا تعلیمیه للأطفال والشباب.
وهنا لا یأتی الزوار للقراءه فقط، بل للإبداع والعمل والتعلم، فی نموذج یعکس کیف أصبحت المکتبه مرکزًا للحیاه الثقافیه بأکملها.

افتُتحت مکتبه أودی فی العاصمه الفنلندیه عام 2018 احتفالًا بالذکرى المئویه لاستقلال فنلندا.
اللافت أن تصمیم المکتبه جاء بعد مشاورات واسعه مع السکان لمعرفه احتیاجاتهم، فجاءت النتیجه مبنى عصریًا یضم مطابع ثلاثیه الأبعاد، واستودیوهات تسجیل، وغرفًا لصناعه المحتوى الرقمی، وقاعات اجتماعات، إضافه إلى آلاف الکتب.
والیوم تستقبل المکتبه ملایین الزوار سنویًا، حتى أصبح کثیر من السیاح یضعونها ضمن أولویات زیارتهم لهلسنکی.
فهل یمکن أن تتحول المکتبه إلى مکان للعمل والترفیه والابتکار فی الوقت نفسه؟


رغم جذورها التاریخیه المرتبطه بالمکتبه القدیمه، فإن مکتبه الإسکندریه الحدیثه، التی افتُتحت عام 2002، أصبحت واحده من أبرز المراکز الثقافیه فی العالم العربی.
تضم ملایین الکتب بلغات متعدده، إلى جانب متاحف، وقبه سماویه، ومراکز أبحاث، وقاعات مؤتمرات، ومختبرات لحفظ المخطوطات والوثائق النادره.
ویجسد تصمیمها الدائری المائل فکره شروق الشمس، فی إشاره رمزیه إلى أن المعرفه نور یتجدد باستمرار.

فی ألمانیا، لفتت مکتبه مدینه شتوتغارت الأنظار بتصمیمها المکعب الأبیض الذی یبدو بسیطًا من الخارج، لکنه یکشف فی الداخل عن فراغ هندسی مذهل تتدرج حوله الطوابق بشکل متناظر.
ولهذا أصبحت المکتبه من أکثر الأماکن التی یلتقط فیها الزوار الصور، حتى إن کثیرًا من عشاق العماره یسافرون خصیصًا لمشاهدتها.

السبب لا یتعلق بالکتب وحدها، بل بتغیر مفهوم المکتبه نفسها. فالمبانی الحدیثه تعتمد على الضوء الطبیعی، والمساحات المفتوحه، والتقنیات الرقمیه، والأنشطه الثقافیه، لتصبح أماکن تجمع بین التعلم والعمل والإبداع والترفیه.
کما أن کثیرًا من هذه المکتبات یستضیف معارض فنیه، وعروضًا موسیقیه، وورشًا تعلیمیه، وفعالیات مجتمعیه، ما یجعلها نابضه بالحیاه طوال العام.
فهل سنرى فی المستقبل مکتبات تعتمد بالکامل على الذکاء الاصطناعی؟ وهل ستظل الکتب الورقیه تحتفظ بسحرها رغم الثوره الرقمیه؟
مهما تطورت التکنولوجیا، یبدو أن المکتبات الحدیثه أثبتت أن المعرفه لا تحتاج فقط إلى کتب، بل تحتاج أیضًا إلى بیئه تلهم الإنسان، وتدعوه إلى الاکتشاف. ولهذا لم تعد هذه المبانی مجرد أماکن للقراءه، بل أصبحت رموزًا ثقافیه ومعماریه تعکس طموح المجتمعات نحو مستقبل أکثر علمًا وإبداعًا.