ساعدنیوز: کشف باحثون عن ظاهره غیر متوقعه تتمثل فی تکوّن هاله کیمیائیه غیر مرئیه تحیط بجسم الإنسان نتیجه تفاعل طبیعی بین الجلد والهواء. وبینما یعتقد العلماء أنها قد تسهم فی تنقیه الهواء، فإن تأثیراتها الکامله لا تزال لغزًا یحتاج إلى المزید من الدراسات.
وفقا لساعدنیوز قد یبدو الأمر وکأنه مشهد من فیلم خیال علمی، لکن فریقًا من الباحثین توصل إلى اکتشاف أثار اهتمام الأوساط العلمیه، بعدما رصد للمره الأولى هاله کیمیائیه غیر مرئیه تحیط بجسم الإنسان، تتشکل بشکل طبیعی مع کل لحظه یعیشها الإنسان، وقد یکون لها دور فی التأثیر على الهواء المحیط به.
ورغم أن کلمه "هاله" ارتبطت لسنوات بمفاهیم غامضه أو غیر علمیه، فإن ما اکتشفه العلماء هذه المره لا علاقه له بالمعتقدات الشائعه، بل یتعلق بتفاعلات کیمیائیه دقیقه تحدث باستمرار حول أجسامنا، حتى دون أن نشعر بها.

توصل الباحثون إلى أن تفاعل غاز الأوزون الموجود فی الهواء مع الزیوت الطبیعیه الموجوده على سطح الجلد، وخاصه ماده السکوالین التی تحافظ على مرونه البشره، یؤدی إلى تکوین مجال کیمیائی غیر مرئی غنی بجزیئات تُعرف باسم جذور الهیدروکسیل (OH).
وتتمیز هذه الجزیئات بأنها شدیده النشاط الکیمیائی وقصیره العمر، لکنها تؤدی دورًا مهمًا فی التفاعل مع بعض المرکبات الموجوده فی الهواء.
ولهذا السبب یطلق العلماء على جذور الهیدروکسیل لقب "منظفات الغلاف الجوی"، لأنها قادره على المساهمه فی تفکیک بعض الملوثات والمرکبات الکیمیائیه الموجوده فی البیئه.
هذا هو السؤال الذی أثار أکبر قدر من الفضول بعد نشر نتائج الدراسه.
ویرجح الباحثون أن المجال الکیمیائی الذی یتشکل حول الجسم قد یساعد فی تغییر بعض المرکبات الموجوده فی الهواء القریب من الإنسان، وربما یسهم فی جعل الهواء الذی یحیط به مختلفًا کیمیائیًا عن الهواء البعید عنه.
لکن العلماء یشددون على أن هذه الفرضیه لا تزال بحاجه إلى مزید من الأدله، إذ لم یتأکد بعد مدى تأثیر هذه التفاعلات على جوده الهواء الذی یستنشقه الإنسان أو على صحته.
للوصول إلى هذه النتائج، أجرى الباحثون تجربه داخل غرفه معقمه، حیث وُضع أربعه متطوعین یرتدون أقنعه أکسجین، ثم جرى قیاس ترکیز جذور الهیدروکسیل فی الهواء المحیط بهم.
بعد ذلک، أُضیفت کمیات مدروسه من غاز الأوزون إلى الغرفه، فلاحظ الفریق البحثی ارتفاعًا مفاجئًا فی النشاط الکیمیائی حول أجسام المشارکین.
وباستخدام تقنیات تحلیل متقدمه، تمکن العلماء من رسم خرائط توضح وجود مناطق أکسده تحیط بالجسم، وهو ما اعتُبر أول دلیل مباشر على تشکل هذا المجال الکیمیائی حول الإنسان.
ورغم أهمیه هذا الاکتشاف، یؤکد الباحثون أن الطریق ما زال طویلًا لفهم تأثیراته بالکامل.
فمن جهه، قد تساعد جذور الهیدروکسیل فی تفکیک بعض المواد الضاره الموجوده فی الهواء، وهو ما قد یکون مفیدًا.
لکن من جهه أخرى، یحذر العلماء من احتمال أن تتحول بعض المرکبات التی تبدو آمنه فی البدایه إلى مرکبات أکثر نشاطًا أو أکثر ضررًا بعد دخولها فی هذه التفاعلات الکیمیائیه.
ولهذا السبب، لا یمکن حتى الآن اعتبار هذه الهاله عاملًا إیجابیًا أو سلبیًا بشکل قاطع.
لفتره طویله، کان الاعتقاد السائد أن جذور الهیدروکسیل تتکون أساسًا فی الهواء الخارجی بفعل ضوء الشمس، وأن دور الإنسان فی إنتاجها محدود للغایه.
لکن النتائج الجدیده تشیر إلى وجود آلیه مختلفه تمامًا، إذ یبدو أن الجسم البشری نفسه یستطیع، من خلال التفاعلات الطبیعیه بین الجلد والأوزون، تکوین بیئه کیمیائیه خاصه به.
وقد یفتح هذا الاکتشاف الباب أمام أبحاث جدیده لفهم جوده الهواء داخل المنازل والمکاتب ووسائل النقل، وتأثیر وجود الأشخاص فی الأماکن المغلقه على الترکیب الکیمیائی للهواء المحیط بهم.
کما قد یساعد مستقبلًا فی تطویر تقنیات جدیده لدراسه التلوث الداخلی، أو تحسین أنظمه التهویه، أو حتى فهم کیفیه انتقال بعض المرکبات الکیمیائیه فی البیئات المغلقه.
وفی النهایه، یذکر هذا الاکتشاف بأن جسم الإنسان لا یزال یخفی الکثیر من الأسرار التی لم یکشفها العلم بعد. فکل نفس نأخذه لا یقتصر على دخول الهواء إلى الرئتین، بل قد یطلق أیضًا سلسله من التفاعلات الکیمیائیه الدقیقه التی تحدث فی صمت من حولنا. وبینما یواصل العلماء دراسه هذه الظاهره، یبقى السؤال الأکثر إثاره: هل تمثل هذه الهاله الکیمیائیه وسیله طبیعیه لحمایه الإنسان، أم أنها تحمل آثارًا لم ندرکها بعد؟ وحدها الدراسات المستقبلیه ستقدم الإجابه.