ساعدنیوز: فقدان شخص عزیز من أصعب التجارب التی قد یمر بها الإنسان، لکن ما لا یعرفه کثیرون أن الحزن لا یسیر وفق مراحل ثابته کما هو شائع. إلیک ما یقوله علم النفس عن رحله الفقد، ولماذا تختلف من شخص إلى آخر.
وفقا لساعدنیوز لا توجد کلمات قادره على محو ألم فقدان شخص نحبه، فهذه التجربه تترک أثرًا عمیقًا فی القلب والذاکره، وقد تغیّر نظرتنا إلى الحیاه بالکامل. لکن اللافت أن الطریقه التی نتعامل بها مع الحزن لیست واحده، کما أن المشاعر التی ترافق الفقد لا تسیر وفق جدول زمنی محدد، وهو ما تؤکده الأبحاث النفسیه الحدیثه.
کثیرون یعتقدون أن الحداد یمر بمراحل ثابته تبدأ بالإنکار وتنتهی بالتقبل، لکن المختصین یشیرون إلى أن الواقع أکثر تعقیدًا. فقد یشعر الإنسان بالتقبل فی یوم، ثم یعود إلیه الحزن بقوه فی الیوم التالی بسبب صوره، أو أغنیه، أو مناسبه عائلیه، أو حتى رائحه تعیده إلى ذکریات الشخص الراحل.
وهذا لا یعنی أن عملیه التعافی توقفت، بل إن الحزن بطبیعته تجربه إنسانیه متغیره لا تسیر فی خط مستقیم.
الحزن هو الاستجابه النفسیه والعاطفیه الطبیعیه لفقدان شخص أو شیء له قیمه کبیره فی حیاتنا. وقد یکون هذا الفقد بسبب وفاه أحد الأحبه، أو انتهاء علاقه عاطفیه، أو حتى فقدان حیوان ألیف ارتبط به الإنسان لسنوات.
ورغم تشابه المواقف، فإن ردود الأفعال تختلف بصوره کبیره. فهناک من یعبر عن مشاعره بالبکاء، وآخرون یفضلون الصمت، بینما یحاول بعض الأشخاص الانشغال بالعمل أو المسؤولیات الیومیه. وکل هذه الاستجابات قد تکون طبیعیه ما دامت لا تمنع الشخص من مواصله حیاته على المدى الطویل.

من أکثر ردود الفعل التی تثیر الدهشه أن بعض الأشخاص یرفضون فی الساعات أو الأیام الأولى تصدیق خبر الوفاه، وکأن العقل یرفض استقبال الحقیقه.
ویفسر علماء النفس ذلک بأن الإنکار یعد آلیه دفاعیه مؤقته یستخدمها الدماغ لتخفیف الصدمه، ومنح الإنسان فرصه لاستیعاب الواقع تدریجیًا بدلًا من مواجهه الألم دفعه واحده.
ومع مرور الوقت، یبدأ هذا الحاجز النفسی بالانخفاض، لیظهر الحزن الحقیقی بکل تفاصیله.
یعد نموذج الطبیبه إلیزابیث کوبلر روس من أشهر النماذج التی تناولت الحزن، حیث تحدث عن خمس حالات تشمل الإنکار، والغضب، والمساومه، والاکتئاب، ثم التقبل.
لکن الدراسات الحدیثه توضح أن هذه الحالات لیست قانونًا عامًا، ولا یمر بها الجمیع بالترتیب نفسه، بل قد یتجاوز البعض بعض المراحل، أو یعیشها أکثر من مره، أو ینتقل بینها بصوره متکرره.
بل إن کوبلر روس نفسها طورت هذا النموذج أساسًا لفهم تجربه المرضى المصابین بأمراض مهدده للحیاه، ولیس لوصف جمیع أشکال الحداد بعد وفاه الأحبه، وهو ما یجعل استخدامه کقاعده ثابته أمرًا غیر دقیق.
من أکثر الجوانب التی قد لا یتحدث عنها الناس کثیرًا، أن فقدان شخص عزیز قد یدفع الإنسان إلى إعاده التفکیر فی معتقداته وأسئلته الوجودیه.
فقد یتساءل البعض: لماذا حدث ذلک؟ ولماذا رحل هذا الشخص بالذات؟ وقد یشعر آخرون بالذنب، معتقدین أنهم کان بإمکانهم فعل المزید لإنقاذ من فقدوه.
ویؤکد المختصون أن هذه الأفکار شائعه خلال فتره الحداد، لکنها لا تعنی أن الشخص مسؤول عن ما حدث، فالموت جزء من دوره الحیاه، وتحدث معظم حالاته نتیجه أسباب طبیه أو ظروف خارجه عن إراده الإنسان.
لا توجد مده محدده یمکن بعدها القول إن الحزن انتهى. فالبعض یستعید توازنه خلال أشهر، بینما یحتاج آخرون إلى وقت أطول، خاصه إذا کان الراحل یشکل جزءًا أساسیًا من حیاتهم.
لکن إذا تحول الحزن إلى عزله شدیده، أو فقدان کامل للرغبه فی الحیاه، أو استمر فی تعطیل الدراسه أو العمل والعلاقات لفتره طویله، فقد یکون من الضروری طلب المساعده من مختص فی الصحه النفسیه.
فالدعم النفسی لا یعنی الضعف، بل قد یکون خطوه مهمه لتجاوز واحده من أصعب التجارب الإنسانیه.
ربما تکون هذه أکثر الحقائق التی تمنح الکثیرین شعورًا بالراحه.
فالتقبل لا یعنی أن الإنسان نسی من یحب، ولا أنه لم یعد یشعر بالشوق إلیه، بل یعنی أن الألم لم یعد یسیطر على حیاته کما کان فی البدایه.
وقد تبقى الذکریات حاضره فی المناسبات والأعیاد وأیام المیلاد، وربما تعود الدموع بین الحین والآخر، لکن ذلک لا یعنی العوده إلى نقطه الصفر، بل یعکس عمق العلاقه التی کانت تجمع الشخص بمن فقده.
فی النهایه، یبقى الحزن وجهًا آخر للحب، ودلیلًا على قیمه الأشخاص الذین مروا فی حیاتنا. ولا توجد طریقه "صحیحه" للحزن أو مده محدده یجب أن ینتهی خلالها. فلکل إنسان رحلته الخاصه، ولکل قلب طریقته فی التکیف مع الفقد. وربما یکون أهم ما یمکن أن نقدمه لأنفسنا أو لمن یمر بهذه التجربه، هو الصبر، والدعم، وإدراک أن التعافی لا یعنی محو الذکریات، بل تعلم العیش معها بطریقه تمنحنا القدره على مواصله الحیاه دون أن نفقد أثر من أحببناهم.