ساعدنیوز: کشف وزیر الاتصالات الإیرانی سید ستار هاشمی عن خطه لإطلاق ثلاثه أقمار صناعیه من منظومه «الشهید سلیمانی» فی عملیه إطلاق واحده، ضمن توجه جدید یرکز على تحویل القدرات الفضائیه إلى خدمات عملیه فی الاتصالات وربط المناطق النائیه وإداره الموارد.
وفقا لساعدنیوز یستعد قطاع الفضاء الإیرانی لمرحله جدیده، بعدما کشف وزیر الاتصالات وتکنولوجیا المعلومات سید ستار هاشمی عن خطه لإطلاق ثلاثه أقمار صناعیه تابعه لمنظومه «الشهید سلیمانی» إلى المدار فی عملیه إطلاق واحده.
اللافت فی المشروع لیس عدد الأقمار التی تستهدف إیران إرسالها إلى الفضاء فحسب، وإنما التغییر الأوسع فی طریقه التعامل مع صناعه الفضاء. فبحسب هاشمی، لم یعد الهدف مقتصراً على إثبات القدره على بناء الأقمار وإطلاقها، بل أصبح المطلوب تحویل هذه التکنولوجیا إلى أدوات تقدم خدمات یحتاج إلیها المواطن والاقتصاد والدوله بشکل مباشر.
وجاءت تصریحات الوزیر خلال زیاره أجراها إلى وکاله «تسنیم» بمناسبه أیام تکریم الصحفیین، حیث تحدث عن أولویات الحکومه الرابعه عشره فی صناعه الفضاء، والاتصالات عبر الأقمار الصناعیه، وربط القرى النائیه، والاستشعار عن بعد، إلى جانب السعی لإیجاد نموذج اقتصادی أکثر استدامه لهذه الصناعه.
فی قلب هذه الاستراتیجیه تأتی منظومه «الشهید سلیمانی»، التی وصفها هاشمی بأنها من أبرز وأهم المشاریع التی یجری العمل علیها فی المرحله الحالیه.
ووفق ما أعلنه الوزیر، تتکون المنظومه من 18 قمراً تشغیلیاً، إضافه إلى 6 أقمار احتیاطیه، أی 24 قمراً فی المجموع.
وتأمل الحکومه فی وضع ثلاثه من هذه الأقمار فی المدار خلال عملیه إطلاق واحده قبل نهایه العام الإیرانی الجاری، فی خطوه یمکن أن تمثل اختباراً مهماً للانتقال من مرحله تطویر الأقمار بصوره منفرده إلى بناء منظومه متکامله.
ویشرح هاشمی أن اختیار منظومه من الأقمار لا یرتبط فقط بزیاده عدد المرکبات الفضائیه، بل بطبیعه المدارات نفسها.
فهناک المدار الجغرافی الثابت «GEO» على ارتفاع یقارب 36 ألف کیلومتر، والذی یتمیز بقدرته على الحفاظ على موقع ثابت نسبیاً بالنسبه إلى الأرض، لکنه یعانی من ارتفاع زمن تأخر الإشاره.
فی المقابل، تعمل الأقمار فی المدار الأرضی المنخفض «LEO» على ارتفاع یقارب 500 کیلومتر، ما یتیح زمن استجابه أقل وجوده أعلى للاتصالات، لکن الأقمار فی هذا المدار تتحرک بسرعه کبیره ولا تبقى فوق منطقه معینه بشکل ثابت.
وهنا تظهر أهمیه المنظومات الفضائیه.
فبدلاً من الاعتماد على قمر واحد، یمکن لشبکه من الأقمار أن تساهم فی توفیر تغطیه أکثر استمراریه مع انتقال کل قمر عبر مداره. ولهذا یرى وزیر الاتصالات أن التحرک نحو منظومه «الشهید سلیمانی» یمثل خیاراً استراتیجیاً بهدف الوصول إلى اتصالات مستقره وخدمات مستمره.
هاشمی أشار إلى أن الحکومه تولی صناعه الفضاء أهمیه استراتیجیه، مستشهداً بعدد من الإنجازات التی وصفها بأنها تمثل «أولیات» مهمه، بینها وضع القمر الاتصالاتی «ناهید 2» فی مدار على ارتفاع 500 کیلومتر، وتنفیذ إطلاقات متزامنه، والاستفاده من إمکانات القطاع الخاص.
لکن السیاسه الجدیده، بحسب الوزیر، ترید تجاوز فکره الإنجاز التقنی المجرد.
المطلوب الآن هو «التطبیقیه»؛ أی أن تتحول الإمکانات التی تمتلکها الدوله فی مجال الفضاء إلى حلول لمشکلات حقیقیه على الأرض.
ومن أبرز الأمثله على ذلک القرى والمناطق صعبه الوصول.
فوفقاً لما أشار إلیه هاشمی، تنص الخطه التنمویه السابعه والماده 65 منها على ربط القرى التی یزید عدد أسرها على 20 أسره بالإنترنت وبالشبکه الوطنیه للمعلومات.
لکن البنیه التحتیه الأرضیه لیست الخیار الممکن فی جمیع المناطق.
هناک نسبه محدوده من القرى التی تجعل طبیعتها الجغرافیه أو صعوبه الوصول إلیها عملیه إنشاء البنیه التحتیه الأرضیه أمراً غیر ممکن عملیاً. وفی هذه الحالات، ترى وزاره الاتصالات أن الحل یمکن أن یأتی عبر القدرات الفضائیه والاتصالات عبر الأقمار الصناعیه.
بمعنى آخر، ترید الحکومه استخدام الفضاء لسد فجوات الاتصال على الأرض، بدلاً من أن تبقى الأقمار الصناعیه مشروعاً تقنیاً منفصلاً عن الاحتیاجات الیومیه.
التغییر لا یتوقف عند الجانب التقنی.
هاشمی تحدث أیضاً عن تحول استراتیجی فی النموذج الاقتصادی لصناعه الفضاء، مشیراً إلى أن الوزاره تعمل على الانتقال من النموذج التقلیدی «STI» إلى نموذج «DUI».
الفکره الأساسیه لهذا التحول هی أن التطبیقات والاحتیاجات الفعلیه یمکن أن تصبح مصدراً لتمویل تطویر التکنولوجیا، بحیث تتجه الصناعه الفضائیه تدریجیاً نحو اقتصاد قائم على الخدمات والاستخدامات العملیه.
وفی هذا السیاق، أشار الوزیر إلى تعاون مع وزاره الصناعه والتعدین والتجاره فی مجالات مرتبطه بإداره المسطحات المائیه والموارد الطبیعیه، مع وجود استعداد للاستثمار فی هذه المجالات.
کما تحدث عن خطوات بدأت بالتعاون مع السلطه القضائیه فی مجال إداره الأراضی، وهی خطوات یمکن أن تساعد، وفق رؤیته، فی الحد من بعض المشکلات والنزاعات القضائیه التی یواجهها المواطنون.
وتناول هاشمی أیضاً الأضرار التی لحقت بالبنیه التحتیه الفضائیه الإیرانیه خلال ما وصفه بـ«حرب رمضان».
وقال إن مجمع معهد أبحاث الفضاء الإیرانی فی طهران، الواقع على طریق الشیخ فضل الله نوری السریع، إضافه إلى مراکز بحثیه فی عدد من المحافظات ومحطات فضائیه فی سلماس وقشم، تعرضت للقصف.
وفی الوقت نفسه، أعرب الوزیر عن ارتیاحه لعدم وقوع خسائر بشریه، مؤکداً أن رأس المال الحقیقی لصناعه الفضاء یتمثل فی کوادرها المتخصصه.
وبحسب هاشمی، أعید توزیع جزء کبیر من العاملین فی معهد أبحاث الفضاء على مواقع جدیده، واستؤنف العمل بهدف عدم السماح بتعطیل المشاریع.
کما شدد على أهمیه الجامعات فی تطویر التکنولوجیا الفضائیه، موضحاً أن معهد أبحاث الفضاء یؤدی دوراً محوریاً فی التوجیه والتنسیق.
تزاید اهتمام إیران بالمنظومات الفضائیه ذات المدار الأرضی المنخفض یأتی فی وقت تتسع فیه وظائف الأقمار الصناعیه لتتجاوز الاتصالات التقلیدیه.
هاشمی یرى أن صناعه الفضاء أصبحت مرتبطه بعده مجالات فی وقت واحد، من الاتصالات إلى الاستشعار عن بعد وإداره الموارد الأرضیه.
ومع تطویر أقمار الاستشعار عن بعد والمنظومات العامله فی المدار المنخفض، تتجه الصناعه، وفق الوزیر، لتصبح جزءاً من البنیه التحتیه الأساسیه للبلاد.
وهذا یفسر أیضاً ترکیز الوزاره على «التطبیق» بدلاً من الاکتفاء بالوصول إلى التکنولوجیا.
وفی هذا الإطار، أشار هاشمی إلى تقریر أعدته مجموعه MTN، الشریک التجاری لشرکه «إیرانسل»، بالاستعانه بمستشارین دولیین. ووفقاً لما ذکره الوزیر، أوصى التقریر باستثمارات خاصه فی مجال منظومات الأقمار الصناعیه، واعتبر هذه المنظومات منافساً جدیاً لتطویر البنیه التحتیه الأرضیه وشبکات الاتصالات المتنقله.
إذا نجحت خطه إطلاق ثلاثه أقمار من منظومه «الشهید سلیمانی» فی عملیه واحده، فإن الحدث سیکون بالتأکید محطه مهمه فی مسار البرنامج الفضائی الإیرانی.
لکن أهمیه المشروع لن تقاس فقط بعدد الأقمار التی تصل إلى المدار.
فالاختبار الأکبر سیکون فی قدره هذه المنظومه على تحویل التکنولوجیا إلى خدمات مستقره وملموسه، سواء فی مجال الاتصالات، أو توفیر التغطیه للمناطق التی یصعب ربطها بالشبکات الأرضیه، أو الاستشعار عن بعد، أو إداره الموارد.
وهذا هو التحول الذی یراهن علیه هاشمی: أن تصبح صناعه الفضاء جزءاً من الحیاه الیومیه والاقتصاد، لا مجرد مجال لتحقیق إنجازات تقنیه.
ومع وجود 24 قمراً مخططاً للمنظومه، بینها 18 قمراً تشغیلیاً و6 أقمار احتیاطیه، فإن إطلاق الأقمار الثلاثه المرتقب سیکون بدایه لمسار أطول. ویبقى السؤال الذی سیحدد نجاح هذه الاستراتیجیه: هل تستطیع هذه المنظومه بالفعل تحویل الطموح الفضائی إلى خدمات عملیه یشعر المواطن والقطاعات الاقتصادیه بأثرها على الأرض؟