ساعدنیوز: إن مواجهه الموت وفقدان الأحبه تُعدّ من أعمق التحدیات النفسیه فی الوجود الإنسانی. ومع ذلک، تُظهر الأبحاث الطبیه والتجارب السریریه الحدیثه أنه فی الأیام الأخیره من الحیاه، یستخدم العقل البشری آلیه مدهشه لتهدئه نفسه وإیجاد السلام.
وفقًا للخدمه العلمیه لموقع “ساعدنیوز”، أصبح ما یُعرف فی المصطلحات الطبیه باسم “أحلام ورؤى نهایه الحیاه” (End-of-Life Dreams and Visions – ELDVs) محورًا لبحوث علمیه موسعه. وتشیر الدراسات إلى أن هذه التجارب لیست علامه على الخرف أو آثارًا جانبیه للأدویه، بل قد تمثل شکلًا من أشکال الراحه النفسیه للمرضى وعائلاتهم.
یقوم الدکتور کریس کیر، المدیر الطبی فی مرکز الرعایه التلطیفیه والاحتضار “Hospice Buffalo”، بدراسه هذه الظاهره لدى مرضاه منذ ما یقرب من ثلاثه عقود.
ووفقًا لموقع “یورونیوز”، فقد وجدت دراسه أجراها فریقه عام 2014 ونُشرت فی مجله Palliative Medicine أن هذه الأحلام شائعه جدًا، حیث أفاد 88% من المرضى القریبین من الموت بتجربه واحده على الأقل من هذا النوع.
وتُوصف هذه التجارب بأنها مختلفه جذریًا عن الأحلام العادیه أو الهلاوس الناتجه عن الأدویه، إذ یؤکد المرضى غالبًا أنها تبدو حیه وواقعیه للغایه، وکأنهم موجودون فعلًا فی زمن ومکان آخر.

ویذکر العدید منهم أنهم یعودون إلى مراحل الطفوله، أو إلى منازل وأماکن مألوفه شعروا فیها بالأمان سابقًا.
ومن الحالات البارزه حاله “شیرلی بریدسالِسکی”، وهی امرأه تبلغ من العمر 83 عامًا کانت تعانی من سرطان متقدم.
لاحظت ابنتها دیبی أنه خلال أیامها الأخیره کانت والدتها تبدو وکأنها تتحدث مع حضور غیر مرئی، سواء أثناء النوم أو الیقظه، وأحیانًا کانت تقول عبارات مثل: “سأحضر الماء یا جدتی”، أو حتى تغنی بلغه غیر مألوفه (اللیتوانیه).
فی رؤاها، عادت شیرلی إلى مزرعه فی ولایه بنسلفانیا قبل 75 عامًا، حیث قضت طفولتها مع جدتها. کما أعادت هذه الرحلات الذهنیه إحیاء ذکریات مدفونه وصدمات غیر محسومه.
مراجعه الحیاه فی نهایه العمر
لاحقًا، کشفت شیرلی لابنتها أنها کانت طفله تُرکت من قبل والدتها المدمنه على الکحول، وأنها فی سن العاشره شهدت مقتل جدتها بشکل وحشی فی مطبخ المزرعه—وهی جریمه تصدرت عناوین الأخبار فی الولایات المتحده فی ینایر 1953، لکنها لم تخبر بها أبناءها طوال حیاتها.
والمفاجئ للأطباء أن رؤاها فی نهایه الحیاه لم تتضمن أی أثر لهذه الذکریات المؤلمه.
بدلًا من ذلک، کانت تختبر الدفء والحب ورائحه الزهور ووجود جدتها المطمئن. وابتسامه على وجهها قالت لابنتها: “جدتی تحبنی”، مما یشیر إلى أن العقل قد یقوم بتصفیه الصدمات فی نهایه الحیاه ویحتفظ فقط بمشاعر السلام.
ویؤکد الدکتور کیر، الذی شهد تجربه مشابهه خلال وفاه والده عندما کان فی الثانیه عشره من عمره، أنه یسعى منذ سنوات لإقناع المجتمع الطبی بالاعتراف بهذه الأحلام کظاهره إنسانیه وسریریه ذات معنى، بدلًا من اعتبارها هلوسات مرضیه.
وغالبًا ما یرکز الأطباء على البیانات الموضوعیه ویتجاهلون الجوانب الذاتیه لعملیه الاحتضار، إلا أن فریق “Hospice Buffalo” وثّق هذه التجارب عبر مقابلات مسجله مع مرضى واعین، مما یدعم أهمیتها السریریه.
ویقول الدکتور کیر: “ما زلنا لا نملک تفسیرًا علمیًا نهائیًا لأصل هذه الأحلام، لکن تأثیرها فی تقلیل الخوف من الموت وتسهیل المصالحه العاطفیه حقیقی ولا یمکن إنکاره. إنها عملیه إنسانیه عمیقه لإکمال رحله الحیاه.”
ولا تقتصر هذه الرؤى على منح المرضى الراحه فقط، بل تساعد أیضًا فی تخفیف العبء العاطفی على العائلات.
وتقول دیبی، ابنه شیرلی، إن فهم هذه التجارب ساعدها على التوقف عن محاوله “تصحیح الواقع” أو إیقاظ والدتها، وبدلًا من ذلک سمح لها بمرافقتها فی هذه الرحله الداخلیه، مما عمّق الرابط العاطفی بینهما فی الأسابیع الأخیره من حیاتها.