ساعدنیوز: قبل مئات السنین من ظهور الجامعات الحدیثه، تأسست مؤسسات تعلیمیه أصبحت مراکز للعلم والفکر وأسهمت فی تشکیل الحضاره الإنسانیه. والمثیر أن بعض هذه الجامعات ما زال یفتح أبوابه للطلاب حتى یومنا هذا.
وفقا لساعدنیوز، قد یبدو من الصعب تصدیق أن هناک جامعات بدأت رحلتها قبل أکثر من ألف عام وما زالت تستقبل الطلاب حتى الیوم. وبینما تغیرت الإمبراطوریات، وسقطت ممالک، واندلعت حروب کبرى، بقیت هذه المؤسسات التعلیمیه صامده، تنقل المعرفه من جیل إلى آخر، وتخرج علماء وقاده ترکوا بصماتهم فی التاریخ. فما هی أقدم الجامعات فی العالم؟ وکیف نجحت فی البقاء کل هذه القرون؟
فی مدینه فاس المغربیه، تأسست جامعه القرویین عام 859 میلادیه على ید فاطمه الفهریه، وهی سیده قدمت من مدینه القیروان فی تونس.
بدأت المؤسسه کمسجد ومرکز للتعلیم، ثم تحولت إلى واحده من أهم الجامعات فی العالم الإسلامی. وتعترف بها موسوعه غینیس للأرقام القیاسیه ومنظمه الیونسکو باعتبارها أقدم مؤسسه للتعلیم العالی ما زالت تعمل بصوره مستمره.
دُرّست فیها علوم الفقه، واللغه، والریاضیات، والفلک، والطب، واستقطبت طلابًا وعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامی وأوروبا.
کیف استطاعت مؤسسه تأسست قبل أکثر من أحد عشر قرنًا أن تحافظ على استمراریتها حتى الیوم؟

فی القاهره، تأسس الجامع الأزهر عام 970 میلادیه خلال العصر الفاطمی، ثم أصبح لاحقًا أحد أعرق الجامعات فی العالم.
لم یقتصر دوره على العلوم الإسلامیه، بل شهد تدریس اللغه العربیه، والمنطق، والفلسفه، والریاضیات، وعلوم أخرى، واستقبل طلابًا من عشرات الدول، ولا یزال حتى الیوم واحدًا من أهم المراکز التعلیمیه والدینیه عالمیًا.

فی عام 1088 تأسست جامعه بولونیا فی إیطالیا، وتُعد أقدم جامعه أوروبیه تعمل باستمرار.
اشتهرت منذ بدایتها بتدریس القانون، ثم توسعت لتشمل مختلف العلوم، وأصبحت نموذجًا للجامعات الأوروبیه الحدیثه. وما زالت حتى الیوم من أبرز الجامعات العالمیه، ویُنظر إلیها بوصفها مهد التعلیم الجامعی الأوروبی.

بدأ التدریس فی جامعه أکسفورد فی إنجلترا منذ أواخر القرن الحادی عشر، وتشیر المصادر التاریخیه إلى وجود نشاط أکادیمی فیها منذ عام 1096 على الأقل.
وعلى مدار قرون، تخرج فیها عدد کبیر من رؤساء الحکومات والعلماء والأدباء والحائزین على جائزه نوبل، لتصبح واحده من أکثر الجامعات تأثیرًا فی العالم.
هل تخیل طلابها الأوائل أن جامعتهم ستظل بین الأفضل بعد نحو ألف عام؟

تأسست جامعه سالامنکا عام 1218، وسرعان ما أصبحت من أهم مراکز الفکر فی أوروبا.
اشتهرت بدراسه القانون واللغات والعلوم الإنسانیه، ولعب أساتذتها دورًا مؤثرًا فی النقاشات الفکریه التی رافقت عصر النهضه والاستکشافات الجغرافیه.

السر لم یکن فی المبانی الحجریه وحدها، بل فی قدرتها على التطور مع تغیر العصور.
فقد انتقلت من تدریس العلوم الدینیه والفلسفه إلى الطب والهندسه والعلوم الطبیعیه والتکنولوجیا، مع الحفاظ على مکانتها الأکادیمیه، وهو ما جعلها تستمر رغم الحروب والأزمات السیاسیه والاقتصادیه.
لم تکن هذه الجامعات مجرد أماکن للدراسه، بل کانت مراکز لصناعه الأفکار، وترجمه الکتب، ونشر العلوم، وتخریج شخصیات أثرت فی السیاسه والاقتصاد والأدب والطب.
ومن داخل قاعاتها خرجت أفکار ساعدت على بناء الحضاره الحدیثه، وأسهمت فی نقل المعرفه بین الشرق والغرب عبر قرون طویله.
ألیس مدهشًا أن بعض القاعات التی جلس فیها الطلاب قبل ألف عام لا تزال تُستخدم للتعلیم حتى الآن؟
تکشف قصه أقدم جامعات العالم أن المعرفه هی الإرث الأکثر قدره على البقاء. فقد اندثرت إمبراطوریات، وتغیرت حدود دول، واختفت لغات، لکن هذه المؤسسات واصلت رسالتها فی تعلیم الأجیال وصناعه المستقبل.
وربما یکون أعظم إنجاز حققته هذه الجامعات أنها أثبتت أن الاستثمار فی العلم لا یصنع حاضرًا أفضل فحسب، بل یخلّد أثر الأمم لقرون طویله.