ساعدنیوز: فی ظل غیاب الجدیه فی المحادثات بین إیران والولایات المتحده، هناک قضیتان داخلیتان وخارجیتان قد تتحولان إلى أزمه متصاعده.
وفقاً للقسم السیاسی فی الموقع التحلیلی «ساعدنیوز»، کتب الدبلوماسی الإیرانی السابق کوروش أحمدی فی صحیفه «شرق» أن حاله عدم الیقین والتعلیق أصبحت مجدداً السمه الغالبه فی البلاد. فالبطاله وتوقف أو تراجع نشاط المؤسسات الاقتصادیه، إلى جانب التضخم الناتج عن الحرب، قد تؤدی—فی حال استمرار ظل حرب ثالثه وتراجع آمال التفاوض—إلى حلقه مفرغه من موجات بطاله إضافیه وارتفاع أکبر فی معدلات التضخم. ووفقاً للإحصاءات الرسمیه، کان الرکود قد بدأ بالفعل فی الربع الأول من عام 1404 (2025)، أی قبل حرب الاثنی عشر یوماً.
وفی الوقت نفسه، وبسبب تعلیق عبور الأسمده والمواد الخام ذات الصله عبر مضیق هرمز، یواجه العالم—وخاصه دول الجنوب العالمی—خطر أزمه غذائیه ومالیه خطیره.
ویرکز هذا التحلیل على الجهود الأمریکیه لتصویر إیران على أنها مسؤوله عن أزمه غذائیه ومالیه عالمیه فی دول الجنوب. وینبغی للمسؤولین الإیرانیین أن یدرکوا أن تداعیات إغلاق مضیق هرمز أقل تأثیراً على الولایات المتحده وأوروبا وأکثر ضرراً بکثیر على الدول النامیه.
فی قطاع الطاقه، لا تعتمد إسرائیل والولایات المتحده على نفط الخلیج. فإسرائیل تؤمّن احتیاجاتها المحدوده نسبیاً من النفط والغاز من أذربیجان وکازاخستان ومصادر أخرى، بینما لم تعد الولایات المتحده—بعد زیاده إنتاج النفط الصخری—تعتمد على نفط الخلیج.
بل إن الولایات المتحده استفادت فعلیاً من نقص النفط والغاز الأخیر، حیث ارتفعت صادراتها من النفط الخام إلى 5.48 ملیون برمیل یومیاً. وفی حین کانت صادراتها فی الفتره نفسها من العام الماضی تعادل 27 ناقله نفط کبیره، فقد تم هذا العام تحمیل 70 ناقله کبیره بالنفط الأمریکی. کما ارتفعت صادرات النفط الأمریکیه إلى آسیا بنسبه 30% خلال الشهرین الماضیین، رغم أن الأسواق الآسیویه کانت تعتمد تقلیدیاً على نفط الخلیج. کما أن اعتماد أوروبا على المنتجات النفطیه الأمریکیه—خصوصاً وقود الطائرات والغاز—یتزاید بسرعه.
أما قطاع الغذاء والتمویل فهو أکثر تعقیداً. فقد أدى توقف صادرات الأسمده والمواد الخام من الخلیج، إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود المستخدم فی الزراعه، إلى زیاده خطر التضخم فی الأشهر المقبله، ومن المرجح أن یدفع البنوک المرکزیه إلى رفع أسعار الفائده للحد منه. وارتفاع أسعار الفائده بدوره سیضعف الاستثمار وآفاق التنمیه فی الغرب وبقیه العالم. ورغم حساسیه الناخب الأمریکی التقلیدیه لأسعار البنزین—حیث تسببت زیاده تتراوح بین 25 و30% فی خسائر للحزب الجمهوری فی الانتخابات البرلمانیه—فإن المشکله الأکبر تظل التضخم وارتفاع أسعار الفائده.
ومع ذلک، تتمتع الولایات المتحده بمیزات هیکلیه مقارنه بمناطق أخرى. إذ لا یعتمد سوى نحو 15% من الأسمده المستخدمه فی الولایات المتحده على إنتاج الخلیج، بینما یتم توفیر الباقی محلیاً أو من کندا وترینیداد. کما أن العدید من المزارعین الأمریکیین کانوا قد خزنوا مسبقاً مدخلات أساسیه قبل الأزمه. ومع ذلک، وبما أن سوق الأسمده عالمی، فإن ارتفاع الأسعار سیؤثر على الولایات المتحده أیضاً.
والفرق الأساسی هو أنه بینما تمثل المشکله بالنسبه للولایات المتحده أساساً فی التضخم وأسعار الفائده، فإنها بالنسبه لمعظم العالم—وخاصه آسیا ودول الجنوب العالمی—قد تتحول إلى أزمه إنسانیه وأمن غذائی. ضعف الإنتاج المحلی وسوء الإداره وغیاب شبکات الأمان الاجتماعی فی الدول النامیه قد یزید من حده التأثیر.
وفی الوقت نفسه، یُقال إن دونالد ترامب یعتقد أن الولایات المتحده محصنه من الأزمه وقد تستفید منها. کما یرى أن أی تراجع دون تنازلات بشأن قضایا مثل تخصیب الیورانیوم الإیرانی بنسبه 60% ومطلب “صفر تخصیب” سیکون بمثابه انتحار سیاسی. وبالتالی، وفی ظل غیاب ضغط اقتصادی فوری على الولایات المتحده نتیجه إغلاق مضیق هرمز، فإن الانسحاب الأمریکی یبدو غیر مرجح. وبدلاً من ذلک، یرکز على الاعتبارات السیاسیه الداخلیه مثل الانتخابات وکأس العالم، معتبراً أن الکلفه السیاسیه للتراجع دون مکاسب من إیران تعادل الاستمرار فی الصراع.
ویبقى السؤال حول مدى إدراک المسؤولین الإیرانیین للأبعاد الداخلیه والدولیه لهذه الأزمه أمراً بالغ الأهمیه. فقد کان لإیران الحق فی اتخاذ إجراءات فی مضیق هرمز رداً على الاعتداءات، لکن استمرار هذه الإجراءات—کما حدث فی حالات طویله مثل أزمه الرهائن أو الحرب الإیرانیه العراقیه—لن یخدم مصالح إیران فی النهایه، کما سیضر بشکل کبیر بدول الجنوب العالمی. وبعد التفاؤل القصیر الذی أعقب محادثات قالیباف–فانس، یبدو أن الوضع عاد إلى مساراته السابقه. إن الجمع بین الحصار الاقتصادی والضغوط الداخلیه والتداعیات العالمیه یتطلب تفکیراً استراتیجیاً جدیداً من قبل السلطات الإیرانیه.