ساعدنیوز: لطالما کان الموت أحد أعظم ألغاز الحیاه، ولکن کیف یمکننا أن نفهم اللحظه التی تنفصل فیها الروح عن الجسد؟
وفقًا لـ«ساعدنیوز»، یُعرَّف الموت فی الطب الحدیث بأنه التوقف الکامل وغیر القابل للعکس للوظائف الحیویه للکائن الحی. ویمیز الأطباء عمومًا بین الموت السریری وموت الدماغ. ففی حاله الموت السریری، یتوقف القلب عن النبض ویتوقف التنفس، لکن قد تظل إمکانیه إنعاش الشخص واستعاده وظائفه الحیویه قائمه. أما موت الدماغ، فیشیر إلى الفقدان الکامل والدائم لجمیع أنشطه الدماغ، دون إمکانیه للشفاء.
عندما یتوقف القلب، لا یعود الأکسجین یصل إلى الدماغ، وتبدأ خلایا الدماغ بالموت خلال دقائق. وخلافًا للاعتقاد الشائع بأن الدماغ هو آخر عضو یتوقف عن العمل، تشیر بعض الأبحاث الحدیثه إلى إمکانیه حدوث نشاط کهربائی غیر معتاد وموجات قویه خلال اللحظات الأخیره من الحیاه. وقد وُصفت هذه الظواهر أحیانًا بأنها «موجه الموت» أو علامات مرتبطه بعملیه الاحتضار. واقترح بعض الباحثین أن مثل هذا النشاط قد یسهم فی حدوث تجارب الاقتراب من الموت.
قد تشمل العلامات الجسدیه المرتبطه باللحظات الأخیره من الحیاه ما یلی:
التوقف التدریجی عن التنفس، ویُعرف أحیانًا بالتنفس الاحتضاری.
بروده الأطراف وتغیر لون الجلد.
ارتخاء العضلات وفقدان القدره على التحکم الإرادی.
تغیرات فی نظم القلب یعقبها توقف القلب بشکل کامل.
ومع ذلک، لا یمکن لأی من هذه العلامات الجسدیه أن تثبت علمیًا ما یحدث للروح، أو أن تفسر ما إذا کانت الروح تنفصل عن الجسد وکیف یحدث ذلک.
فی الإسلام، تُعتبر الروح حقیقه إلهیه تنتمی إلى عالم أمر الله. یقول القرآن الکریم:
«وَیَسْأَلُونَکَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّی».
وفی التراث الإسلامی، یُعرف انفصال الروح عن الجسد عند الموت بقبض الروح. ویُعتقد أن مَلَک الموت، الذی یُعرف تقلیدیًا باسم عزرائیل، إلى جانب ملائکه آخرین، ینفذون أمر الله فی قبض الروح.
وفقًا للروایات الإسلامیه، تختلف تجربه الموت بین المؤمنین وبین من یرفضون الله أو یعصونه. وتصف بعض الروایات روح المؤمن بأنها تخرج من الجسد برفق وسلام، مثل قطره ماء تنساب من إناء. أما روح الشخص العاصی أو الآثم، فتُوصف بأنها تُنتزع بصعوبه شدیده، ویُشبَّه ذلک بانتزاع شوکه من الصوف المبلل.
وتشیر هذه الأوصاف، فی إطار التقالید الدینیه، إلى أن تجربه الموت ترتبط بإیمان الإنسان وأعماله وحالته الروحیه.
وتصف بعض الروایات أیضًا الروح بأنها تصعد عبر الجسد قبل أن تستقبلها الملائکه. وفی هذه المرحله، یُقال إن المحتضر قد یدرک حقائق خفیه عن الأشخاص المحیطین به. وترتبط هذه الإدراکات فی التراث الدینی إما بشعور عمیق بالسلام والطمأنینه أو بالخوف الشدید.
فی المسیحیه، یُفهم الموت غالبًا باعتباره انتقالًا نحو الحیاه الأبدیه. وفی تقالید الأناجیل، شبّه عیسى علیه السلام الموت أحیانًا بالنوم، بینما یُفهم انفصال الروح عن الجسد باعتباره انتقالًا من الوجود الأرضی نحو ملکوت الله.
وکذلک تعلّم الیهودیه أن الروح مُنحت للإنسان من الله، وأنها تعود فی نهایه المطاف إلیه.
وهکذا، فإن الموت فی التقالید الإبراهیمیه الثلاثه یُفهم عمومًا لیس باعتباره فناءً مطلقًا، وإنما باعتباره انتقالًا إلى صوره أخرى من الوجود.
من أکثر السمات التی یُبلَّغ عنها فی تجارب الاقتراب من الموت الشعور بمغادره الجسد. ویصف بعض الأشخاص شعورًا وکأنهم ارتفعوا فوق أجسادهم وأصبح بإمکانهم مشاهده أجسادهم التی تبدو بلا حیاه من مسافه معینه.
وتتشابه هذه الظاهره مع الفکره الدینیه التقلیدیه المتمثله فی انفصال الروح عن الجسد. ومن المثیر للاهتمام أن روایات التجارب الخارجه عن الجسد ظهرت فی ثقافات ومناطق جغرافیه مختلفه.
أفاد کثیر من الأشخاص الذین تعرضوا لتوقف القلب ثم أُعید إنعاشهم بأنهم رأوا نفقًا مظلمًا یتبعه ضوء شدید السطوع.
ومن الظواهر الأخرى التی تتکرر فی هذه التجارب ما یُعرف بمراجعه الحیاه، حیث تبدو ذکریات وأحداث مهمه من حیاه الشخص وکأنها تتکشف بسرعه، کما لو کان یشاهد فیلمًا.
ومن المنظور العلمی، قد تکون هذه التجارب مرتبطه بالتغیرات فی کیمیاء الدماغ والنشاط العصبی أثناء التعرض لضغط فسیولوجی شدید. ومع ذلک، فإنها قد تبدو للشخص الذی یمر بها حقیقیه تمامًا وذات معنى عمیق.
اقترح علماء الأعصاب عده تفسیرات لتجارب الاقتراب من الموت، من بینها نقص الأکسجین، وإفراز الإندورفینات، والنشاط غیر المعتاد فی مناطق معینه من الدماغ، مثل الفصوص الصدغیه.
ومع ذلک، یرى بعض الباحثین أن هذه التفسیرات قد لا تفسر جمیع جوانب التجارب المبلغ عنها، ولا سیما الروایات التی تتحدث عن إدراک أحداث محیطه بالمریض بدقه تبدو لافته.
ولا یزال الجدل قائمًا دون حسم نهائی. وتواصل تجارب الاقتراب من الموت توفیر فرصه مثیره للباحثین لدراسه الوعی ووظائف الدماغ وتجربه الإنسان أثناء الاحتضار.
استخدم الفیلسوف والطبیب الفارسی المؤثر ابن سینا الاستدلال الفلسفی لیجادل بأن الروح حقیقه غیر مادیه لا یمکن اختزالها بالکامل فی الجسد المادی. ولذلک رأى أن الموت لا یعنی بالضروره فناء الروح.
ووفقًا لإطاره الفلسفی، تنفصل الروح عن الجسد عند الموت وتدخل العالم البرزخی المعروف فی الفکر الإسلامی باسم «البرزخ». کما بحث ابن سینا فی طبیعه النفس الإنسانیه وعلاقتها بالجسد فی مؤلفاته الفلسفیه.
طوّر الفیلسوف الفارسی ملا صدرا مبدأً عُرف باسم «الحرکه الجوهریه»، ورأى أن الروح والجسد یشارکان فی عملیه تطور مستمره.
ووفقًا لفلسفته، تبدأ الروح الإنسانیه بوجود جسدی ثم تتطور تدریجیًا نحو حاله روحیه. ولذلک لا یمثل الموت مجرد تدمیر للعلاقه بین الجسد والروح، بل انتقالًا إلى مستوى آخر من الوجود.

ومن هذا المنظور، یمکن فهم الانفصال عن الجسد باعتباره مرحله طبیعیه فی مسیره الروح نحو مزید من الکمال الروحی.
ترتبط عملیه الاحتضار فی بعض التقالید الدینیه والصوفیه بعلامات ظاهره قد یلاحظها أفراد الأسره أو مقدمو الرعایه. ومن بینها:
النظر حول المکان أو ظهور ابتسامه، وهو ما قد تفسره بعض التقالید الدینیه بأنه إدراک للملائکه أو للحقائق الإلهیه.
ارتخاء واضح فی الجسد وظهور تعابیر هادئه على الوجه.
تغیرات فی ملامح الوجه أو ظهور علامات المعاناه الجسدیه عندما یکون الموت صعبًا.
وتتضمن المصادر الإسلامیه أیضًا روایات عن شخصیات دینیه أظهرت هدوءًا استثنائیًا عند الموت. ومن الأمثله التقلیدیه على ذلک علی بن أبی طالب، الذی یُوصف بأنه واجه الموت بسکینه غیر عادیه، معتبرًا إیاه انتقالًا نحو خالقه المحبوب.
من الأسئله الأساسیه: ماذا یحدث للروح بعد انفصالها عن الجسد؟
وفقًا للتعالیم الإسلامیه، بعد قبض الروح عند الموت تدخل مرحله البرزخ، وهی حاله وسطیه تستمر حتى یوم القیامه. وتصف بعض التقالید الصوفیه الروح الکامله بأنها تتجه بعد الموت نحو القرب الإلهی، متجاوزه القیود المعتاده للزمان والمکان.
ومن هذا المنظور، لا یُفهم انفصال الروح عن الجسد باعتباره فناءً، بل انتقالًا من وجود مادی محدود إلى واقع روحی أوسع.
ویربط التصوف الإسلامی أیضًا بین الموت والارتقاء الروحی ارتباطًا وثیقًا. فقد استخدم الشاعر الفارسی عطار النیسابوری صوره العروس لوصف الموت، بینما رأى مولانا جلال الدین الرومی أن الموت بالنسبه إلى الإنسان المستیقظ روحیًا یمثل نوعًا من الاتحاد ولیس الانفصال. ویمکن لمثل هذه الرؤى أن تحول الخوف الإنسانی الطبیعی من الموت إلى فهم الموت باعتباره انتقالًا.
یرى علماء النفس الوجودیون، مثل إرفین یالوم، أن إدراک الإنسان لفنائه یمکن أن یمنح حیاته معنى أکبر. فمن هذا المنظور، یؤدی مواجهه الموت إلى إجبار الإنسان على مواجهه أعمق جوانب الوجود.
ولذلک، فإن ما یکتسب أهمیه فی المرحله الأخیره من الحیاه قد یتجاوز الجسد المادی لیشمل المعنى، والحب، والعلاقات، والذکریات، والأمور غیر المکتمله.
وتشیر ملاحظات الأشخاص الذین یموتون بصوره طبیعیه، ولا سیما فی سن متقدمه، إلى أن بعض الأفراد قد یمرون بحاله متزایده من القبول والهدوء، أو حتى بإدراک عمیق، کلما اقتربوا من نهایه الحیاه.
یمکن للعلم أن یصف العدید من العملیات الجسدیه التی تحدث مع اقتراب الجسم من الموت، بما فی ذلک التغیرات فی التنفس والدوره الدمویه ونشاط الدماغ والوعی. أما الدین والفلسفه، فیتناولان أسئله لا یستطیع العلم حسمها حالیًا، مثل ما إذا کان الوعی یستمر بعد موت الجسد، وما إذا کانت الروح موجوده بصوره مستقله عن الدماغ.
وفی نهایه المطاف، یبقى السؤال حول ما یحدث عندما تغادر الروح الجسد عند تقاطع علوم الأعصاب والطب والدین والفلسفه والتجربه الشخصیه. وبینما یواصل العلم دراسه الآلیات البیولوجیه للموت وتجارب الاقتراب من الموت، تنظر التقالید الروحیه إلى الموت باعتباره انتقالًا ولیس نهایه.