ساعدنیوز: توجد حول العالم بحیرات یتغیر لونها مع تغیر الفصول، لکن هذا التحول لیس سحرًا ولا خدعه بصریه، بل نتیجه تفاعل معقد بین الکائنات المجهریه والملوحه ودرجه الحراره وأشعه الشمس، ما یجعل کل موسم یکشف وجهًا جدیدًا للطبیعه.
وفقا لساعدنیوز، قد تعتقد للوهله الأولى أن الصور المتداوله لبحیرات تتبدل ألوانها قد خضعت للتعدیل، لکن الحقیقه أکثر إثاره. ففی عده مناطق حول العالم توجد بحیرات یتغیر لونها بصوره طبیعیه خلال العام، فتظهر مره باللون الوردی، وأخرى بالأخضر أو الأزرق أو حتى الأحمر. فما الذی یحدث داخل هذه المسطحات المائیه حتى تتحول إلى لوحه ألوان متغیره؟
من أشهر الأمثله بحیره إیر (Kati Thanda–Lake Eyre) فی أسترالیا، والتی رصدتها أقمار وکاله ناسا وهی تتحول من درجات زرقاء إلى خضراء ثم وردیه وحمراء مع تغیر الفصول وانخفاض منسوب المیاه. ومع تبخر المیاه ترتفع نسبه الملوحه، فتزدهر کائنات دقیقه محبه للملح قادره على إنتاج أصباغ طبیعیه تغیر لون البحیره بشکل واضح.


یوضح الباحثون أن الطحالب الدقیقه Dunaliella salina، إلى جانب أنواع من البکتیریا والعتائق المحبه للملوحه، تنتج مرکبات کاروتینوید ذات ألوان وردیه وبرتقالیه وحمراء لحمایه نفسها من أشعه الشمس القویه والبیئه شدیده الملوحه. وعندما تتغیر درجات الحراره أو کمیه الأمطار أو عمق المیاه، تتغیر أعداد هذه الکائنات، فینعکس ذلک مباشره على لون البحیره.
ولیس کل البحیرات تتصرف بالطریقه نفسها. ففی بولیفیا، تشتهر لاجونا کولورادا بلونها الأحمر الذی یزداد أو یخف تبعًا لدرجه الحراره والملوحه ونشاط الطحالب، کما تستقطب آلاف طیور الفلامنجو التی تستفید من هذه الکائنات الدقیقه فی غذائها. ألیس من المدهش أن تحدد کائنات لا تُرى بالعین المجرده مظهر بحیره کامله؟
أما بحیره هیلیر فی غرب أسترالیا، فقد کانت لعقود واحده من أکثر البحیرات الوردیه شهره فی العالم، لکن أمطارًا غزیره غیر مسبوقه خلال عام 2022 خففت ملوحه میاهها، فتراجع اللون الوردی بشکل ملحوظ وتحول إلى درجات باهته مائله إلى الأزرق الرمادی. ویرى علماء البیئه أن اللون قد یعود تدریجیًا عندما ترتفع الملوحه مجددًا مع التبخر، وهو ما یبرز مدى حساسیه هذه الأنظمه الطبیعیه للتغیرات المناخیه.
ولفهم هذه الظاهره بصوره أدق، استخدمت فرق بحثیه ضمن Extreme Microbiome Project تقنیات تحلیل الحمض النووی (Metagenomic Sequencing) لدراسه المجتمعات المیکروبیه فی بحیره هیلیر. وکشفت التحالیل وجود طحالب Dunaliella salina إلى جانب بکتیریا Salinibacter ruber وعدد من الکائنات الدقیقه الأخرى التی تعیش فی البیئات فائقه الملوحه. وکان الهدف من الدراسه تحدید الکائنات المسؤوله عن الألوان الممیزه وفهم کیفیه تفاعلها مع الظروف البیئیه المختلفه.
المثیر للاهتمام أن النتائج أظهرت أن اللون لا یعتمد على نوع واحد من الکائنات، بل على توازن دقیق بین عده أنواع من الطحالب والبکتیریا، إضافه إلى الملوحه ودرجه الإضاءه وعمق المیاه. وهذا ما فسر لماذا قد تبدو أجزاء مختلفه من البحیره بألوان مختلفه فی الوقت نفسه، ولماذا یتغیر المشهد من موسم إلى آخر.
یحذر علماء البیئه من أن الأمطار الغزیره أو التغیرات المناخیه أو الأنشطه البشریه التی تؤثر فی ملوحه البحیرات قد تغیر التوازن البیئی الدقیق الذی یسمح لهذه الکائنات بالبقاء. وإذا اختفى هذا التوازن، فقد تختفی معه الألوان التی جعلت هذه البحیرات من أعجب الظواهر الطبیعیه على الأرض.
وربما یکون أکثر ما یثیر الدهشه أن هذه الکائنات المجهریه لا تمنح البحیرات جمالها فحسب، بل تساعد العلماء أیضًا على فهم الکائنات القادره على العیش فی البیئات القاسیه، وهو ما قد یساهم مستقبلًا فی أبحاث الحیاه خارج الأرض والبحث عن بیئات مشابهه على کواکب أخرى. فهل تحمل بحیره متغیره الألوان مفتاحًا لفهم أسرار الحیاه فی أماکن لم نصل إلیها بعد؟