ساعدنیوز: یقول علماء النفس إن المحادثات الداخلیه السلبیه یمکن أن تؤثر فی الطریقه التی نرى بها أنفسنا، وقد تؤثر أیضًا فی استجابات الدماغ والجسم.
وفقًا لخدمه ساعدنیوز لعلم النفس، فإن العبارات مثل: «أنا عدیم الفائده»، «لا أحد أکثر حظًا سیئًا منی»، «لا أستطیع التعامل مع هذا»، «أعلم أن الأمر لن ینجح»، «أنا ضعیف جدًا»، «أنا غبی»، أو «کم أنا بائس» لیست مجرد کلمات عابره تُقال فی لحظات الغضب أو خیبه الأمل.
یوضح علماء النفس أن اللغه لیست مجرد أداه للتعبیر عن الأفکار؛ بل یمکنها أیضًا أن تشکّل تلک الأفکار، وتؤثر فی الطریقه التی نرى بها أنفسنا، وتغیّر طریقه استجابه الدماغ والجسد. وحتى عندما تُقال هذه العبارات على سبیل المزاح، فقد یمتصها العقل تدریجیًا باعتبارها جزءًا من هویتنا. ومع مرور الوقت، قد نبدأ دون وعی بالعیش وفق الصوره التی رسمناها عن أنفسنا من خلال کلماتنا.
قد تبدو عبارات مثل «أنا بائس» أو «أنا سیئ الحظ» مجرد شکاوى عادیه، لکن علماء النفس یقولون إن تکرار الحدیث السلبی مع الذات یمکن أن یؤثر فی نظرتنا لأنفسنا، وطریقه معالجه العقل للمعلومات، وحتى فی ردود أفعالنا العاطفیه والجسدیه.
یشرح الدکتور محمد غراوندنیا، وهو طبیب نفسی ومعالج، أن اللغه یمکن أن تؤثر فی طریقه عمل النظام النفسی للإنسان.

ویقول:
«طوال تاریخ البشریه، کان للغه دور فی البقاء، ولهذا فإن العقل البشری حساس جدًا للرسائل اللفظیه».
ویضیف أن علم النفس رکّز بشکل متزاید فی السنوات الأخیره على دور اللغه. ویعتقد الباحثون الآن أن الطریقه التی یتحدث بها الإنسان مع نفسه یمکن أن تؤثر فی أفکاره ومشاعره وسلوکیاته. وعندما یُستخدم الحوار الداخلی بشکل غیر واعٍ، فقد یصبح مصدرًا للمعاناه النفسیه.
وفقًا لستیفن سی. هایز، أحد أبرز الباحثین فی مجال اللغه وعلم النفس، فإن المشکله لیست فی اللغه نفسها، بل فی الطریقه التی نستخدمها بها.
ویعطی غراوندنیا مثالًا:
«عندما یسأل شخص نفسه مرارًا: لماذا حدث هذا لی؟ لماذا یحدث هذا مره أخرى؟ أو یقول: لقد فشلت، یبدأ العقل بالعمل بناءً على هذه الأحکام السلبیه ویستخدمها کوسیله لتقییم الذات. وهذه إحدى الطرق الأولى التی تؤثر بها اللغه فی العقل».
ویشرح أن الألم جزء طبیعی ولا مفر منه فی حیاه الإنسان. فقدان الأحباء، والمرض، والفشل، والرفض، وخیبه الأمل، والطلاق کلها تجارب إنسانیه طبیعیه.
لکن عندما یرکز الإنسان باستمرار على هذه الأحداث المؤلمه ویروی لنفسه قصصًا سلبیه مثل: «لا أستطیع فعل ذلک» أو «لقد فشلت»، یبدأ العقل فی التعامل مع هذه الأفکار وکأنها دلیل على حقیقه الشخص وهویته.
من أبرز نتائج الحدیث السلبی مع الذات عملیه تُعرف فی علاج القبول والالتزام (ACT) باسم «الاندماج المعرفی».
ویشرح غراوندنیا:
«فی الاندماج المعرفی، یصبح الشخص مرتبطًا بأفکاره إلى درجه أنه یبدأ برؤیتها کحقائق مطلقه. فعندما یفکر شخص: أنا بلا قیمه، فإنه لا یعود یرى ذلک کفکره فقط، بل یراه کحقیقه عن هویته. لکن الفکره تبقى مجرد فکره، ولیست بالضروره حقیقه».
أحد أهداف علاج القبول والالتزام هو مساعده الأشخاص على خلق مسافه بینهم وبین أفکارهم.
هناک تأثیر آخر للغه، وهو قدرتها على جلب تجارب الماضی ومخاوف المستقبل إلى اللحظه الحالیه.
غالبًا ما یفکر الإنسان من خلال الکلمات، وجزء کبیر من التفکیر یتکوّن عبر اللغه.
قد یکون الشخص جالسًا بهدوء فی غرفه صامته، ثم یتذکر فجأه حدثًا مؤلمًا ویشعر بنفس القلق الذی شعر به فی الماضی. وبالمثل، فإن تخیل حدث سلبی محتمل فی المستقبل قد یزید ضربات القلب ویطلق استجابات التوتر الجسدیه.
من خلال اللغه، یستطیع العقل أن یجعل أحداثًا لا تحدث الآن تبدو وکأنها حقیقیه وحاضره.
هناک طریقه أخرى تساهم بها اللغه فی المعاناه النفسیه، وهی ما یصفه علاج القبول والالتزام باسم «التجنب التجریبی».
قد یخبر العقل الشخص باستمرار:
«یجب ألا أشعر بالقلق».
«یجب ألا أشعر بالحزن».
«یجب أن أکون سعیدًا دائمًا».
«یجب أن أتخلص من المشاعر غیر المریحه فورًا».
حتى عندما یکون الحزن استجابه طبیعیه تمامًا، قد یحاول الإنسان مقاومته.
ونتیجه لذلک، تُستهلک طاقه کبیره فی محاوله الهروب من الأفکار والمشاعر والذکریات غیر المریحه. وبدلًا من تحقیق الراحه، قد یؤدی هذا الصراع إلى زیاده المعاناه العاطفیه.
یوضح غراوندنیا أن تأثیرًا ضارًا آخر للغه هو خلق هویات جامده وثابته.
فعلى سبیل المثال، بدلًا من أن یقول الشخص:
«أعتقد أننی فشلت»،
قد یقول:
«أنا فاشل».
فی هذه الحاله، تزیل اللغه الفرق بین تجربه مؤقته وهویه الشخص.
قد تکون الفکره غیر صحیحه. وقد یکون الخطأ مؤقتًا. وقد لا تحدد فتره صعبه حیاه الإنسان بأکملها. لکن التسمیات السلبیه قد تجعل الأشخاص یبنون مستقبلهم حول هذه المعتقدات.

یؤکد غراوندنیا أن اللغه بحد ذاتها لیست سلبیه.
فی علاج القبول والالتزام، تُعتبر اللغه واحده من أعظم قدرات الإنسان. فالعلم والفن والتخطیط والعلاقات والعدید من إنجازات الحضاره موجوده بسبب قدره الإنسان على استخدام اللغه.
تبدأ المشکله عندما لا یکون الإنسان واعیًا بکیفیه عمل عقله ونظامه اللغوی.
الهدف من علاج القبول والالتزام لیس القضاء على الأفکار أو إسکات العقل، بل مساعده الإنسان على تغییر علاقته بأفکاره.
یتعلم الأشخاص أن یروا الأفکار باعتبارها أحداثًا عقلیه، ولیست أوامر أو حقائق لا تقبل الشک.
من منظور علاج القبول والالتزام، تشکّل اللغه فهمنا للعالم من خلال عملیات مثل الحکم والمقارنه والتصنیف.
ویقول غراوندنیا إن زیاده وعی الإنسان بهذه الأنماط العقلیه تقلل من احتمالیه وقوعه فی فخ الأحکام السلبیه على الذات.
إذا کرر شخص لنفسه باستمرار: «أنا بائس»، فإن الدماغ لا یتعامل معها باعتبارها مجرد جمله، بل یبدأ بالبحث عن المعلومات والذکریات التی تدعم هذا الاعتقاد.
الکلمات التی نکررها لأنفسنا یمکن أن تؤثر فی الواقع الذی نعیشه.
لذلک اسأل نفسک:
کم مره قلت لنفسک: «لا أستطیع»، «أنا سیئ الحظ»، أو «أنا لست جیدًا بما یکفی»؟
ربما حان الوقت لتغییر هذا الحوار الداخلی.
إن التحدث مع نفسک بطریقه أکثر لطفًا قد یکون بدایه لعلاقه أکثر صحه مع عقلک ونفسک.