ساعدنیوز: من مفاعلات الاندماج النووی إلى تحریر الجینات والذکاء الاصطناعی الطبی، تعمل فرق علمیه حول العالم على مشاریع قد تعید تشکیل مستقبل البشریه. ورغم أن بعضها ما یزال فی مراحله التجریبیه، فإن نتائجه الأولیه تمنح العلماء آمالًا غیر مسبوقه.
وفقا لساعدنیوز، قبل عشرین عامًا فقط، بدت السیارات ذاتیه القیاده، والذکاء الاصطناعی، وتعدیل الجینات وکأنها أفکار من أفلام الخیال العلمی. أما الیوم، فقد أصبحت جزءًا من الواقع. لکن ما یجری داخل أکبر المختبرات العالمیه الآن قد یکون أکثر إثاره بکثیر، إذ یعمل آلاف العلماء على مشاریع قد تغیّر طریقه إنتاج الطاقه، وعلاج الأمراض، واستکشاف الفضاء، وحتى إطاله عمر الإنسان. فهل نحن على أعتاب ثوره علمیه جدیده؟
یُعد مشروع ITER فی جنوب فرنسا أکبر مشروع علمی للطاقه فی العالم، ویشارک فیه أکثر من 35 دوله، من بینها الاتحاد الأوروبی والولایات المتحده والیابان والصین وکوریا الجنوبیه والهند.
ویهدف المشروع إلى إثبات إمکانیه إنتاج الطاقه عبر الاندماج النووی، وهی العملیه نفسها التی تزود الشمس بالطاقه.
یعتمد العلماء على مفاعل من نوع Tokamak یستخدم مجالات مغناطیسیه فائقه القوه لحبس بلازما تصل حرارتها إلى أکثر من 150 ملیون درجه مئویه.
ویشارک آلاف المهندسین والباحثین فی تطویر هذا النظام المعقد، على أمل إنتاج طاقه نظیفه بکمیات هائله مع نفایات إشعاعیه أقل بکثیر من المفاعلات النوویه التقلیدیه.
فهل تصبح الکهرباء یومًا شبه مجانیه بفضل هذه التقنیه؟

من أکثر المشاریع الطبیه تأثیرًا، یواصل علماء Jennifer Doudna من جامعه کالیفورنیا فی بیرکلی، وEmmanuelle Charpentier، الحائزتان على جائزه نوبل، تطویر تطبیقات تقنیه CRISPR-Cas9 لتحریر الجینات.
وفی السنوات الأخیره، نجحت فرق بحثیه وشرکات مثل Vertex Pharmaceuticals وCRISPR Therapeutics فی إجراء تجارب سریریه لعلاج مرض فقر الدم المنجلی وبیتا ثلاسیمیا.
وشملت الدراسات عشرات المرضى، حیث جرى تعدیل الخلایا الجذعیه المکونه للدم خارج الجسم، ثم إعادتها إلى المرضى بعد العلاج الکیمیائی.
وأظهرت النتائج أن عددًا کبیرًا من المشارکین أصبحوا قادرین على العیش دون الحاجه إلى عملیات نقل دم متکرره أو نوبات الألم الشدیده، وهو ما اعتبره الباحثون نقطه تحول فی الطب الجینی.
لکن هل یمکن أن تمتد هذه التقنیه مستقبلًا لعلاج مئات الأمراض الوراثیه الأخرى؟
فی أوروبا، یعمل علماء ضمن مشروع Human Brain Project، الذی شارکت فیه أکثر من 150 جامعه ومرکزًا بحثیًا.
وکان الهدف هو بناء نماذج رقمیه متقدمه للدماغ، تجمع بیانات من التصویر العصبی، والذکاء الاصطناعی، والمحاکاه الحاسوبیه، لفهم کیفیه عمل الشبکات العصبیه.
وقد ساعد المشروع فی تطویر أدوات جدیده لدراسه أمراض مثل ألزهایمر وبارکنسون والصرع، کما وفر منصات حاسوبیه یستخدمها الباحثون حول العالم لتطویر علاجات أکثر دقه.
أثار مشروع شرکه Colossal Biosciences اهتمامًا عالمیًا بعد إعلانها التعاون مع عالم الوراثه الشهیر George Church من جامعه هارفارد.
ویهدف المشروع إلى إدخال جینات الماموث الصوفی فی الحمض النووی للفیل الآسیوی باستخدام تقنیه CRISPR، بهدف إنتاج فیله تمتلک صفات مشابهه للماموث، مثل الشعر الکثیف والقدره على تحمل البروده.
ویأمل الباحثون أن یساعد ذلک مستقبلًا فی استعاده بعض النظم البیئیه القطبیه، رغم أن المشروع لا یزال فی مرحله البحث والتطویر، ولم یتم إنتاج ماموث حی حتى الآن.
أیمکن أن تعود الحیوانات المنقرضه إلى الحیاه فعلًا، أم أن الأمر سیظل حلمًا علمیًا؟
أصبحت أنظمه الذکاء الاصطناعی جزءًا أساسیًا من تطویر الأدویه الحدیثه.
ففی Google DeepMind، أحدث نظام AlphaFold ثوره فی علم الأحیاء بعد نجاحه فی التنبؤ بالبنیه ثلاثیه الأبعاد لأکثر من 200 ملیون بروتین، بالتعاون مع المعهد الأوروبی للمعلوماتیه الحیویه (EMBL-EBI).
وتساعد هذه البیانات الباحثین فی فهم الأمراض وتصمیم أدویه جدیده بسرعه أکبر مقارنه بالطرق التقلیدیه، التی قد تستغرق سنوات طویله.
وقد استخدمت مختبرات وشرکات دوائیه هذه النماذج لتسریع أبحاث السرطان والأمراض النادره والالتهابات.
فی عام 2022، نفذت وکاله ناسا أول تجربه ناجحه لتغییر مسار جرم سماوی عبر مهمه DART (Double Asteroid Redirection Test).
قاد المهمه فریق من علماء مختبر الفیزیاء التطبیقیه بجامعه جونز هوبکنز، حیث اصطدمت المرکبه الفضائیه بالکویکب Dimorphos بسرعه تقارب 22 ألف کیلومتر فی الساعه.
واستخدم الباحثون التلسکوبات الأرضیه والقمر الصناعی الإیطالی LICIACube لمراقبه النتائج، وأکدت القیاسات أن فتره دوران الکویکب حول الجسم الأکبر Didymos تغیرت بنحو 33 دقیقه، متجاوزه الهدف الأصلی للمهمه.
وکانت هذه أول مره یثبت فیها الإنسان عملیًا إمکانیه تعدیل مدار جرم سماوی، وهو إنجاز قد یصبح أساسًا لحمایه الأرض من الکویکبات الخطره مستقبلًا.
رغم اختلاف أهدافها، فإن هذه المشاریع تشترک فی هدف واحد: حل أکبر التحدیات التی تواجه البشریه، من الطاقه النظیفه، إلى الأمراض المستعصیه، والأمن الغذائی، واستکشاف الفضاء.
ویؤکد العلماء أن کثیرًا من هذه التقنیات ما یزال یحتاج إلى سنوات من الاختبارات والتطویر، لکن النجاحات التی تحققت حتى الآن تشیر إلى أن العالم قد یشهد خلال العقود المقبله تغیرات تفوق ما شهدناه منذ بدایه الثوره الصناعیه.
وفی النهایه، لم یعد السؤال هو ما إذا کانت هذه المشاریع ستؤثر فی حیاتنا، بل متى سیحدث ذلک. فداخل المختبرات المنتشره حول العالم، تُکتب الیوم فصول جدیده من مستقبل البشریه، وربما یکون الجیل القادم أول من یعیش نتائج هذه الثوره العلمیه غیر المسبوقه.