ساعدنیوز: تشیر نتائج دراسه جدیده إلى أن کتابه التجارب المزعجه على الورق ثم التخلص منها أو تمزیقها یمکن أن یعید بشکل معجز مستوى الغضب إلى طبیعته.
وبحسب «ساعدنیوز» نقلاً عن Psychology Today، فقد مرّ جمیعنا مراراً بمواقف یتحول فیها حدیث بسیط إلى نقاش حاد وترتفع فیه حراره المشاعر فی الغرفه بشکل مفاجئ. ولا یهم إن کان هذا التوتر ناتجاً عن نقاش سیاسی حاد، أو نقد قاسٍ فی مکان العمل، أو حتى سخریه لاذعه داخل تجمع عائلی؛ ففی جمیع الحالات یکون رد الفعل الطبیعی للإنسان هو اتخاذ موقف دفاعی، والشعور بالأذى، ثم الانفعال والغضب.
أحیاناً لا یظهر هذا الغضب أثناء الحوار نفسه، بل بعد فتره عندما یکتشف الشخص ما قاله الآخرون فی غیابه. والحقیقه أن مواجهه السلوکیات العدوانیه والمواقف غیر اللطیفه جزء لا یتجزأ من حیاتنا الاجتماعیه. لذلک فإن السؤال الأساسی لیس کیف نتجنب هذه المواقف، بل کیف نتحکم بالغضب عندما یشتعل.
یصف کثیر من الناس أنفسهم بأنهم عقلانیون وهادئون ولطفاء، لکن هذا الوصف غالباً ما یکون صحیحاً فقط قبل التعرض للاستفزاز أو الإهانه. من الفصول الدراسیه إلى قاعات الاجتماعات وحتى المنزل الهادئ، تحدث الخلافات دائماً. والمفتاح هو معرفه کیفیه عدم التصرف بناءً على الانفعالات اللحظیه.
دراسه أجراها حدیثاً یوتا کانایا ونوبویکی کاوای عام 2024 تناولت طرق التخلص من الغضب الناتج عن المؤثرات البیئیه. ویؤکد الباحثون أن عدم القدره على کبت الغضب أو التحکم به یمکن أن یؤدی إلى عواقب مدمره على العلاقات بین الأشخاص.
ومن أخطر نتائج الغضب غیر المُسیطر علیه ظاهره یسمیها علماء النفس “الاجترار الفکری”، حیث یقوم الشخص بالتفکیر بشکل متکرر ووسواسی فی الحدث المزعج. هذا الغرق فی التجربه المؤلمه یجعل الشخص یعید فی ذهنه الإهانه أو الإذلال مراراً، مما یؤدی لیس فقط إلى استمرار الغضب النفسی، بل أیضاً إلى زیاده التفاعلات الجسدیه مثل ارتفاع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب، وهو ما قد یسبب أضراراً صحیه خطیره على المدى الطویل.
سعى فریق کانایا وکاوای إلى إیجاد طریقه لوقف هذه الدائره المدمره. وقد توصلوا فی تجاربهم إلى نتیجه مذهله: إن “التخلص المادی” من الکتابات المرتبطه بالغضب له تأثیر مباشر فی تقلیل شده المشاعر السلبیه.
فی هذه الدراسه، طُلب من المشارکین کتابه آراء قصیره حول قضایا اجتماعیه حساسه. ثم تلقى کل مشارک ملاحظات مکتوبه بخط الید ومهینه للغایه جاء فیها: «لا أصدق أن شخصاً بمستوى تعلیمی منخفض کهذا کتب هذا الکلام».
وبطبیعه الحال ارتفعت مستویات الغضب لدى جمیع المشارکین بشکل کبیر. ثم طُلب منهم کتابه أسباب انزعاجهم وأفکارهم حول الموقف على الورق. بعد ذلک قُسم المشارکون إلى مجموعتین:
مجموعه التخلص: طُلب منهم کرمشه الورق أو تمزیقه أو رمیه فی سله المهملات.
مجموعه الاحتفاظ: طُلب منهم وضع الورق فی ملف والاحتفاظ به على المکتب.
وکانت النتائج مدهشه؛ فقد انخفض مستوى الغضب بسرعه لدى الذین تخلصوا من الورق، وعاد إلى مستواه الطبیعی قبل التجربه، بینما استمر الأشخاص الذین احتفظوا بالورق فی الشعور بمستویات مرتفعه من الغضب والاشمئزاز.
تُظهر هذه الدراسه أن الدماغ البشری یمیل إلى ربط الأشیاء المادیه بالمفاهیم المجرده. فعندما نتخلص من “رمز مادی” لغضبنا مثل ورقه کتبنا فیها مشاعرنا، فإننا نوجه رساله رمزیه إلى الدماغ بأن هذا الشعور لم یعد له مکان فی مساحتنا الذهنیه.
ویرى الباحثان کانایا وکاوای أن مجرد الاحتفاظ بالورقه أو إعاده قراءتها لا یساعد فی التفریغ العاطفی، بل إن فعل “التخلص” هو الذی یحدث التأثیر الفعّال. وتُعد هذه الطریقه وسیله بسیطه وغیر مکلفه وسریعه جداً لإداره الأزمات العاطفیه.
هذه الاستراتیجیه لا تقتصر على المختبرات، بل یمکن استخدامها فی مجالات عدیده:
تربیه الأطفال: یمکن للوالدین تحت ضغط السلوکیات الصعبه کتابه مصادر التوتر والتخلص منها لتجنب ردود الفعل الحاده.
اجتماعات العمل: یمکن للموظفین الذین یواجهون انتقادات غیر عادله تفریغ مشاعرهم على الورق ثم التخلص منها قبل الرد.
العلاج النفسی: یمکن للمعالجین استخدام هذه التقنیه ضمن برامج إداره الغضب والعلاج السلوکی.
فی النهایه، إن إداره الغضب لا تعتمد فقط على قوه الإراده، بل على معرفه الأدوات الصحیحه. وتُظهر طریقه “اکتب ثم تخلص” أن أبسط الحلول قد تکون الأکثر فعالیه. وبهذه الطریقه نحمی صحتنا العاطفیه ونمنع تدمیر العلاقات، إذ إن التخلص من ورقه واحده قد یفتح الطریق نحو الهدوء والعقلانیه والحوار البنّاء.