ساعدنیوز: فی یوم الثلاثاء 3 فبرایر، عندما أعلن مسعود بیزِشکیان على حسابه فی X أن وزیر الخارجیه قد تلقى تعلیمات لبدء محادثات مع ممثل أمریکی، بدأ فصیل سیاسی راسخ یتوقعه الجمیع فی إثاره الاعتراضات.
وفقًا للخدمه السیاسیه لموقع “ساعد نیوز”، نقلاً عن صحیفه إیران، فقد وجّه موقع إخباری مرتبط بفصیل سیاسی معین، فی مقالاته المتعدده، غالبًا انتقاداته نحو الرئیس. ومع ذلک، فقد أطر بوضوح مبدأ التفاوض على أنه یخالف المصالح الوطنیه. وقد بذل الموقع جهدًا کبیرًا لإظهار وجود فجوه مهمه بین وجهات نظر الرئیس والمرشد الأعلى.
فی إحدى مقالاته، ذکر الموقع:
"عندما یقول المرشد الأعلى صراحه: 'التفاوض مع الولایات المتحده لا یجلب أی فائده بل یسبب الضرر'، و'التفاوض مع هذه الحکومه لیس حکیمًا ولا مشرفًا'، ماذا یعنی إصرارکم على اختبار هذا الطریق المسدود مره أخرى، إن لم یکن تجاهل تجربه البلاد لمده 20 عامًا وتجاوز الخطوط الحمراء التی وضعها المرشد الأعلى؟ سید بیزشکیان! سؤالنا المحدد لک هو: هل ستتحمل مسؤولیه عواقب هذا القرار؟"
وفی مقال آخر موجه إلى بیزشکیان، أضاف الموقع:
"سید الرئیس! مفتاح حل المشکلات لیس التفاوض؛ بل مفتاحه هو تعزیز الأمه. الطریق الذی اخترته لا یؤدی إلى رفع العقوبات بل إلى الإذلال الوطنی. 'الأمن' و'الردع' لیسا نتاج طاولات التفاوض فی فیینا أو جنیف؛ بل هما نتیجه جهود أبعدت الحرب عن حدود إیران ووسعت العمق الاستراتیجی للجمهوریه الإسلامیه إلى البحر المتوسط."
یبدو أن التوجه الرئیسی لهذه الوسیله الإعلامیه، وبالفعل موقف بعض الشخصیات السیاسیه الأخرى المرتبطه بنفس الفصیل، هو المعارضه للتفاوض. فهم لا یرون أن الدبلوماسیه تضمن أو تحمی المصالح الوطنیه. وعلى الرغم من ادعاء هذا الخط التحلیلی بالتمییز بین معارضی "المیدان" و"الدبلوماسیه"، إلا أنه عملیًا یقوض الخیارات الدبلوماسیه.
ومما یثیر الاهتمام بشکل خاص هو تجاهل بعض الجماعات السیاسیه المتعمد لإطار العمل وعملیات اتخاذ القرار داخل الجمهوریه الإسلامیه. هذه الکیانات، التی تتواجد فی الهیاکل والمؤسسات السیاسیه للبلاد منذ عقود، تصور التفاوض مع الولایات المتحده على أنه قرار یخص الرئیس أو الحکومه فقط. ومن خلال هذا المبرر، یشککون فی مبدأ الحوار ویصدرون تحذیرات لفشل محتمل للتفاوض. وما یلفت الانتباه أکثر هو اعتمادهم على تکتیک مضلل: اقتراح وجود شرخ بین الحکومه والمرشد الأعلى. وهذا الادعاء یتناقض مع النهج السیاسی وسلوک الرئیس بیزشکیان.
قبل بدء خمس جولات من المحادثات غیر المباشره بین إیران والولایات المتحده، فی 2 مارس من العام الماضی، صرح فی البرلمان:
"کنت أعتقد أن الحوار أفضل، لکن المرشد الأعلى قال: لن نتفاوض مع الولایات المتحده، وسنمضی وفقًا لتوجیهات المرشد الأعلى."
کما أن المفاوضات السابقه التی قادها عرقجی وویتاکر تم الشروع فیها أیضًا بعد قرارات مجلس الأمن القومی الأعلى.
وفی وقت سابق من سبتمبر، أکد المرشد الأعلى على ضروره أن یحافظ جمیع المواطنین والمسؤولین وأصحاب النفوذ فی القول والکتابه على وحده الأمه المقدسه والعظیمه ویدعمونها بالکامل. وأضاف: "یجب على الجمیع دعم خدام البلاد، وخاصه الرئیس المجتهد."
لماذا تعتبر الادعاءات الانتهازیه حول التفاوض خطیره
بعیدًا عن عدم دقتها، فإن تصویر وجود اختلاف مزعوم بین الحکومه والمرشد الأعلى حول التفاوض یحمل عواقب سیاسیه واجتماعیه لا یمکن إصلاحها، لا سیما فی الظروف الوطنیه الراهنه. فی وقت یؤکد فیه المرشد الأعلى مرارًا على التماسک الداخلی، فإن تفتیت المجتمع وتحریک الجماعات إلى أقطاب مصطنعه من المؤیدین والمعارضین—خاصه داخل المؤسسات الحکومیه—یتعارض مع دعوات الوحده ویضر بالمصلحه الوطنیه.
على مدار السنوات الماضیه، جنبًا إلى جنب مع الاتجاه المکلف والخاطئ لاستقطاب القضایا الکبرى، حذر العدید من الشخصیات والخبراء الوطنیین من أن السیاسه الخارجیه یجب ألا تکون مجالًا للمحاسبه السیاسیه أو المکاسب الفئویه. هذه التحذیرات تعکس الدروس المستفاده والأعباء التی فرضها هذا السلوک السیاسی على البلاد. فی السیاق الحالی، عندما تتطلب الحکمه والتعقل صوتًا موحدًا من الداخل الإیرانی—وخاصه من المؤسسات والمجموعات السیاسیه التی تدعم المفاوضین الإیرانیین—فإن المبالغه فی الادعاءات الذاتیه لا تخدم الشعب ولا الدوله، بل تغذی تحلیلات وتفسیرات یمکن لأعداء إیران استغلالها، واعتبارها علامات على نقص التماسک الداخلی فی اتخاذ القرار على المستوى العالی.
تشیر الأدله، بما فی ذلک المواقف الرسمیه للجمهوریه الإسلامیه، والتقاریر، وحتى حسابات الإعلام الأجنبی، إلى أن طهران دخلت المفاوضات وفق مبادئها الأساسیه ورؤیتها الاستراتیجیه. والتحلیلات التی تصوّر حضور إیران على طاوله التفاوض على أنه ضار، بغض النظر عن النتائج، تعزز فی الغالب الروایات الأجنبیه التی تصوّر الانخراط کضعف.
ومن الواضح أن قرار التفاوض مع الولایات المتحده هو قرار للجمهوریه الإسلامیه، بینما ضمان مصالح البلاد من خلال التفاوض هو مهمه الحکومه ووزاره الخارجیه. وبالطبع، التفاوض لیس القرار الوحید للدوله، ولا الحوار هو واجب الحکومه الوحید. ربط کل جوانب رفاهیه البلاد—إیجابیه کانت أم سلبیه—بالتفاوض وحده لیس دقیقًا ولا مبررًا. فالدبلوماسیه لا تتنافس مع قدرات الدفاع؛ بل تکملها وتعززها.