ساعدنیوز: تاریخ فال حافظ: من أول من قرأ الفال بدیوان حافظ، وأین جرت هذه الممارسه لأول مره؟
وفقًا لساعدنیوز، یُعدّ فال حافظ من أبرز التقالید الثقافیه المحببه لدى الإیرانیین، إذ یجمع بین الشعر والأمل والبحث عن إشارات قد تساعد على فهم تساؤلات الحیاه. ویحرص کثیر من الإیرانیین والناطقین باللغه الفارسیه على فتح دیوان الشاعر حافظ الشیرازی بنیه محدده، ثم تأویل الأبیات التی تقع علیها أعینهم وربط معانیها بظروفهم الشخصیه. ویُعرف هذا التقلید باسم «فال حافظ»، وهو ممارسه تمزج بین الأدب والتراث الشعبی والمعتقدات المتوارثه عبر الأجیال.
لکن ما قصه فال حافظ؟ ومتى بدأت هذه العاده؟ ومن أول شخص لجأ إلى شعر حافظ بحثًا عن إجابه أو إشاره؟ یستعرض هذا المقال تاریخ فال حافظ، وأشهر الروایات المرتبطه بنشأته، ومکانته الراسخه فی الثقافه الإیرانیه.
لا توجد إجابه تاریخیه قاطعه وموثقه تحدد أول شخص مارس فال حافظ. فالمصادر التاریخیه لا تذکر اسم فرد بعینه بوصفه أول من رجع إلى شعر حافظ طلبًا للإرشاد. ومع ذلک، تتناقل الروایات الشعبیه قصصًا متعدده عن نشأه هذا التقلید، من أشهرها الروایه المرتبطه بدفن الشاعر فی مدینه شیراز.
عاش حافظ الشیرازی فی القرن الرابع عشر المیلادی، وبعد وفاته، یُقال إن خلافًا نشب حول مکان دفنه وطریقته. ووفقًا لبعض الروایات المتداوله فی المصادر التاریخیه والکتابات المتعلقه بحیاته، اعترض فریق على دفنه، بینما دافع محبوه عن مکانته الروحیه وقیمته الأدبیه.
وتروی الأسطوره أن الناس قرروا حسم الخلاف بالرجوع إلى دیوانه، ففتحوه عشوائیًا طلبًا للإشاره التی تفصل فی النزاع.
ویُقال إن الأبیات التی ظهرت لهم تضمنت المعنى الآتی:
«لا تلمنی على سکری من الحب وسواد صحیفتی؛ فمن یعلم ما الذی کتبه القدر لکل روح؟»
کما قیل إن القصیده اشتملت على الأبیات التالیه:
«لا تحجبوا خطاکم عن جنازه حافظ؛ فعلى الرغم من غرقه فی الذنوب، فإنه یسیر نحو الجنه».
وقد فُسرت هذه الأبیات باعتبارها إشاره إیجابیه تؤید دفن الشاعر، ووفقًا للروایه الشعبیه، انتهى الخلاف على هذا الأساس.
لفهم التاریخ الفعلی لفال حافظ، ینبغی التمییز بین عصر الشاعر والانتشار اللاحق للاستعانه بأشعاره فی الاستبصار وطلب الإشارات. فقد عاش حافظ فی القرن الرابع عشر، لکن ممارسه البحث عن الدلالات والإرشاد من خلال أبیاته تطورت تدریجیًا بعد وفاته.
ومن أقدم المصادر التی یُقال إنها أشارت إلى هذه الممارسه کتاب «دیار بکریه»، الذی کُتب بعد وفاه حافظ بنحو خمسه وسبعین عامًا. ففی سیاق حدیثه عن الحمله العسکریه التی قادها جهان شاه میرزا نحو شیراز، یشیر المؤلف إلى واقعه جرى فیها الرجوع إلى شعر حافظ طلبًا للفأل.
وتوحی هذه الروایه بأن فال حافظ یمتد إلى عده قرون، وأنه کان معروفًا بین الناس بعد وفاه الشاعر بفتره طویله.
وتوضح الحکایات التاریخیه الثلاث التالیه، التی حفظتها روایات مختلفه، مدى رسوخ هذه الممارسه فی الذاکره الثقافیه الإیرانیه.

وفقًا لروایه شعبیه، وبعد دخول الشاه إسماعیل الأول إلى شیراز، شجعه أحد مرافقیه على الرجوع إلى شعر حافظ لمعرفه مصیر قبر الشاعر.
وتذکر القصه أن شخصًا متشددًا من الناحیه الدینیه أراد إقناع الشاه بهدم القبر. غیر أن أحد المقربین منه اقترح فتح دیوان حافظ أولًا وتأویل القصیده التی تظهر لهم.
وافق الشاه إسماعیل على الاقتراح، وعندما فتحوا الدیوان، یُقال إنهم وجدوا البیت التالی:
«عند الفجر، وضع برج الجوزاء حزامه أمامی، معلنًا: أنا خادم الملک، وأقسم على ذلک».
وفی الروایه المتوارثه، فُسر البیت باعتباره إشاره دفعت الشاه إلى العدول عن هدم قبر حافظ.
وعلى الرغم من أن تفاصیل هذه القصه لا یمکن اعتبارها حقائق تاریخیه ثابته من دون أدله وثائقیه تدعمها، فإن مثل هذه الروایات توضح کیف اکتسب شعر حافظ مکانه خاصه فی معتقدات الإیرانیین وعاداتهم، متجاوزًا قیمته الأدبیه وحدها.
تتعلق حکایه تاریخیه أخرى بأحمد شاه الدرانی، الحاکم الأفغانی.
ووفقًا لهذه الروایه، عندما کان أحمد شاه یستعد لشن حملات عسکریه فی العراق وأذربیجان وفارس، شجعه عدد من الأشخاص القادمین من خراسان على الرجوع إلى شعر حافظ. وکان یأمل، من خلال فتح الدیوان، فی العثور على إشاره تکشف له نتیجه حملته العسکریه.
ویُقال إن القصیده التی ظهرت له تضمنت هذا البیت الشهیر:
«لقد فتحت العراق وفارس بفضل شعر حافظ البدیع؛ فهلمّ الآن، فقد حان دور بغداد، وأوشک وقت تبریز».
ورُبط معنى القصیده بطموحات أحمد شاه العسکریه، وفسرها قادته باعتبارها علامه مشجعه تنبئ بإمکانیه تحقیق النصر.
ووفقًا لبقیه الروایه، حافظ القاده على تفاؤلهم بشأن الحمله، واستأنفوا تحرکاتهم متجهین نحو هرات.
ترتبط حکایه أخرى بهذه العاده باسم نادر شاه أفشار.
وبحسب الروایه، دخل نادر شاه مدینه شیراز أثناء ملاحقته للقوات الأفغانیه، وزار قبر حافظ. ورغبهً منه فی استشراف نتیجه الصراع الدائر، لجأ إلى دیوان الشاعر بحثًا عن إشاره.
ویُقال إنه عثر على البیت نفسه الذی یشیر إلى العراق وفارس وبغداد وتبریز. وفی ضوء الظروف السائده آنذاک، فُسر البیت على أنه علامه إیجابیه تشجع على مواصله الفتوحات العسکریه.
ومثل الحکایات السابقه، ینبغی التعامل مع هذه القصه بوصفها روایه تراثیه متداوله، لا واقعه تاریخیه ثبتت صحتها بصوره مستقله.
یُعد لقب «لسان الغیب» من أشهر الألقاب التی أُطلقت على حافظ الشیرازی، ویُترجم عادهً إلى «لسان الغیب» أو «الناطق بأسرار الغیب».
ویرتبط هذا اللقب فی الثقافه الشعبیه الإیرانیه، لیس فقط بالقصه الشهیره المتعلقه بدفنه، بل أیضًا بالاعتقاد بأن شعره قادر على تقدیم إجابات عن الأسئله الخفیه أو الکشف عن إشارات تتعلق بالمستقبل.
ویمکن فهم انتشار هذا اللقب فی سیاق التأثیر الأدبی والروحی الذی ترکه حافظ، إلى جانب المعتقدات الثقافیه المرتبطه بأعماله.
تتمیز قصائده بکثره الاستعارات والتلمیحات والصور الصوفیه وتعدد مستویات المعنى. ویتیح هذا الغموض النسبی للقراء تأویل الأبیات نفسها بطرق مختلفه، وربطها بتجاربهم الشخصیه وآمالهم ومخاوفهم.
نعم، فقد سبقت ممارسه البحث عن الطوالع والإرشاد من خلال النصوص المکتوبه ظهور فال حافظ بقرون طویله.
وعلى امتداد التاریخ، لجأ الناس إلى أشکال مختلفه من الاستبصار بحثًا عن إجابات للأسئله الصعبه ومحاولهً للتخفیف من قلقهم بشأن المستقبل. وقد عُرفت ممارسه طلب الإشارات من الکتب فی ثقافات عدیده، ولم تکن حکرًا على إیران.
الاستبصار فی الثقافات الأخرى: فی العصور القدیمه والوسطى، استُخدمت بعض الأعمال الأدبیه، مثل ملحمه «الإلیاذه» لهومیروس وملحمه «الإنیاده» لفیرجیل، أحیانًا لأغراض الاستبصار. وکانت إحدى الطرق الشائعه تقوم على إغماض الشخص عینیه واختیار مقطع عشوائی من النص، ثم تأویله فی ضوء سؤال معین أو نیه محدده.
الاسترشاد بأشعار الشعراء الفرس: تتمتع الثقافه الإیرانیه أیضًا بتاریخ طویل من الاستعانه بالشعر فی التأمل وطلب الإرشاد. وقبل أن یکتسب فال حافظ انتشاره الواسع، کان من الممکن الرجوع إلى أعمال شعراء مثل الفردوسی وکمال الدین الإسفهانی وسعدی الشیرازی وجلال الدین الرومی للتأمل الشخصی وتأویل المعانی وربطها بالحیاه الیومیه.
لا یزال فال حافظ تقلیدًا محبوبًا فی إیران، یمارسه الناس خلال التجمعات العائلیه والاحتفالات والمناسبات الخاصه، ولا سیما لیله یلدا، وهی احتفالیه إیرانیه تُقام فی لیله الانقلاب الشتوی.
وبالنسبه إلى کثیرین، لا یقتصر فتح دیوان حافظ على محاوله التنبؤ بالمستقبل، بل یمثل فرصه للتأمل فی المشکلات الشخصیه، والعثور على السکینه فی الشعر، والتواصل مع إرث الأدب الفارسی الممتد عبر القرون.
وعلى الرغم من تعذر إرجاع الأصول التاریخیه لهذه الممارسه إلى شخص واحد أو لحظه محدده ثبتت صحتها، فإن الروایات المتاحه تشیر إلى أن الاسترشاد بشعر حافظ أصبح تقلیدًا راسخًا منذ عده قرون.
وفی نهایه المطاف، تکمن جاذبیه فال حافظ المستمره فی قدره شعره الاستثنائیه على مخاطبه أجیال مختلفه، ومنح القراء مساحه للأمل والتأمل واکتشاف المعانی التی تتصل بتجاربهم الشخصیه.